خواطر في الأدب والفن
وأنت تتأمّل المكان يغمرك سكون عظيم. من الغريب حقّا أن تشعر بمثل بهذا الهدوء الهائل. "تشعر" ليست الكلمة المناسبة هنا. نوعية ذلك الصمت، السكون، لا يشعر بها الدماغ. إنها أبعد منه. يمكن للدماغ أن يتصوّر، أن يخطّط، أن يفكّر.
لكنّ ذلك السكون خارج نطاق العقل ويتجاوز كلّ خيال ويسمو فوق كلّ رغبة. أنت ساكن جدّا لدرجة أن جسدك يصبح جزءا من الأرض، من كلّ شيء ساكن. وعندما هبّت نسمات عليلة من جهة التلال، أثارت بعض أوراق الشجر. لكنّها لم تبدّد السكون أو تخفّفه.
وأنت ترى هذا البحر الساكن اللانهائي، تصبح جزءا من كلّ شيء، تصبح كلّ شيء. ومرّة أخرى، "أنت" ليست الكلمة المناسبة، لأنك في الواقع لم تكن هناك، لم يكن لك وجود. لم يكن هناك سوى ذلك السكون والإحساس غير العاديّ بالصفاء.
كلمات مثل "أنا وأنت" تباعد بين الأشياء. إنها بلا معنى وليس لها وجود في مثل ذلك الصمت والسكون الجميل. وعندما تطلّ من النافذة، تحسّ أن الزمن وصل إلى نهايته، وأن الفراغ الذي يفصل الأشياء عن بعضها ليس حقيقة، وأن الورقة والنبات والماء الأزرق لم تكن مختلفة عنك في شيء.
إن للعزلة والتأمّل نشوة لا تتحقّق إلا عندما لا تعود تخشى أن تكون لوحدك، وأنك لم تعد منتميا إلى العالم أو مرتبطا بشيء. لوقت طويل، ظللت ساكنا بلا حراك. واستسلمت لذلك الخليط الذي لا يوصف من المشاعر وسمحت لها بأن تخترقني في هدوء؛ هدوء السماء وعمق اللحظة.
لا أعرف ما الذي كان يدور في ذهني لحظتها. لا أستطيع أن اعبّر عنه بالكلمات. كانت لحظة من تلك اللحظات التي يحسّ فيها الإنسان بأن شيئا ما في نفسه ينام، وشيئا آخر يستيقظ.
❉ ❉ ❉
أحبّ موقف اليابانيين من الطبيعة. فهم يركّزون على فراغ محدود، لكنّه بنفس الوقت يعكس اللانهائية. إن الماء عنصر غامض بسبب تركيبته. لذا يصلح للسينما كثيرا. لأنه ينقل الحركة والتغيير والعمق. في الحقيقة لا شيء في الطبيعة يفوق في بهائه جمال الماء".
❉ ❉ ❉
إنك لا ترى النجوم وتلمسها فحسب، وإنما تسمعها أيضا. تماما مثلما يمكنك سماع غناء الشمس على هيئة ذبذبات كهرومغناطيسية يصفها بعض العلماء بأنها أشبه ما تكون بقرع الطبول.
النغمات الشمسية تُشبه نظام السلّم الموسيقي، تتراوح ما بين البطء والسرعة، الارتفاع والانخفاض، بحسب ساعات اليوم.
إذا كان هذا ما يمكن أن نسمعه من الشمس، أقرب النجوم إلينا، فماذا عن الجوقة الكونية العظيمة؟ ماذا عن أغاني المجالات والمجرّات والأجرام الأخرى. وماذا عن أغاني القمر التي يصفها شاعر اسباني بقوله: إن القمر يغنّي في صمت. ويتعيّن على الإنسان أن يسمعه بعينيه، وأن يصغي بعمق إلى أغنياته المهدهدة البيضاء".
❉ ❉ ❉
❉ ❉ ❉
شيئا فشيئا، تعوّدت على أن اكرّر ببطء نفس الشكاوى القديمة المحزنة التي تبتلعها هذه الطاحونة اليومية الثقيلة التي نسمّيها "الحياة". الأمر لا يتعلّق بالآخر بقدر ما يتعلّق بأنفسنا. فنحن نهتمّ كثيرا بما نفكّر فيه أو نقوله. لكنّنا لا نميل إلى إبداء نفس الاهتمام بما نفعله.
هل تدرك ما تقوله؟ هنا يكمن أساس المشكلة. ومن هنا أيضا تبدأ الطريق نحو بوّابة الحرّية. أي عندما تنتقل من القول إلى الفعل، ومن الانطباع إلى الجوهر، ومن التفكير إلى النتائج.
هذا التحدّي ماثل بوضوح في وجودنا الحالي المتخم بهذا الكم الهائل من المعلومات والبيانات التي تحاصرنا من كلّ جانب. إننا نجمع المعلومات كما لو أنها البلسم الذي سيمنحنا الخلود.
المراهقون يحمّلون مئات الأغاني في أجهزتهم الاليكترونية لكي يشغّلوا اثنتين أو ثلاثا منها فقط. كما أننا نحفظ ايميلات لا نقرؤها مرّة ثانية أبدا. ونشتري مجلات وكتبا تتضمّن المزيد من الكلمات التي تريحنا، لكنّها تصرفنا عن مواجهة القضايا الحقيقية التي نعرف أننا يجب أن نناقشها ونجد لها حلولا: وعود، حلول، علاقات، التزامات يتعيّن الوفاء بها، تعديل سلوكيات وتغيير أنماط وعادات.. إلى آخره.
يقول مارسيل بروست: إن رحلة الاكتشاف الحقيقية لا تعني البحث عن ارض جديدة. وإنّما أن يكون للشخص عينان جديدتان". يجب أن نستيقظ كلّ يوم وكلّ دقيقة وكلّ ثانية لنُسكِت الضجيج في رؤوسنا ونتوقّف عن قول الكلمات الرخيصة وننظر إلى ما هو ابعد من التظاهر والتلهّي بما لا طائل من ورائه. أي أن نركّز على الأفعال فحسب لأن الكلمات تدفن الحقيقة.
إن أفعالنا من صُنعنا وهي في النهاية كلّ ما نتركه وراءنا. لماذا تطلّب الأمر كلّ هذه الكلمات لقول شيء هو في الأساس معلوم لمعظم الناس؟!
❉ ❉ ❉
❉ ❉ ❉
الصمت يتكلّم، يصرخ، يتحدّث أحيانا بأعلى ممّا تفعله الكلمات. الصمت تأمُّل يمكن أن يحرّك السماء والأرض، الصمت أبيض ومشعّ كالقمر. في البدء كان الصمت المطلق.
❉ ❉ ❉
وعندما يرمي طفل حجرا في نهر، يغطس الحجر هادئا بطيئا إلى قاع النهر، حيث تأتي الأسماك وتنقر عليه. لطالما رأيتُ شررا يقدح عند حكّ حجرين ببعضهما. لذا هناك احتمال ألا يكون الحجر مظلما من الداخل.
ربّما يكون هناك قمر يسطع وراء التلال، مجرّد ضوء بسيط قد يكون كافيا لقراءة الكتابات الغريبة وخرائط النجوم.
Credits
archive.org
archive.org

