خواطر في الأدب والفن
هذه الأيّام، وبفضل التصوير الضوئي، لا يبدو أن ثمّة مشكلة. فاستخدام الصور الفوتوغرافية سيجعل المهمّة اقلّ صعوبة بكثير. لكن هناك رسّاما واحدا، هو الفينيسي جيوفاني انتونيو كانال المعروف اختصارا بـ كاناليتو، استطاع أن ينجز مثل هذا العمل على أفضل وجه من خلال لوحته "فوق" المسمّاة حوض سان ماركو في يوم الصعود.
رسم كاناليتو هذه اللوحة عام 1730. ولم ينجح في إظهار كافّة التفاصيل فحسب، وإنما أنجز لوحة فريدة من نوعها. لقد بنى هذا الرسّام مهنته الناجحة كلّها على حقيقة انه كان يولي التفاصيل في لوحاته عناية فائقة. هذه اللوحة ضخمة، لكنّها مزدحمة بالتفاصيل الرائعة مثل الديكورات الزخرفية والإحساس الرائع بالحركة والنشاط.
التأثير هنا يحبس الأنفاس. كلّ التفاصيل، البنايات والمكتبة والكاثدرائية وقصر الدوق، جميعها تتوهّج تحت ضوء الشمس المبهر. هذا فقط في الخلفية.
العمل الحقيقي هو على الماء. فمركب الدوق يتحرّك على طول القنال الكبير مصحوبا بعدد من قوارب الغندول المزخرفة والمعبّئة بالمجدّفين والأمراء. وكلّ شخص له ملامحه الخاصّة وملابسه المزركشة، كما انه منهمك في نشاط ما.
في الحقيقة كلّ شيء هنا يبدو وكأنّه يتحرّك. الأعلام تخفق والماء يتلألأ والقوارب تلمع في جوّ كرنفالي بديع. وكلّ تفصيل في اللوحة أنجز في عين المكان. والمنظور بأكمله وضعه كاناليتو من مخيّلته. ولا يوجد مبنى أو رصيف لم يرسمه بطريقة احتفالية فخمة.
اليوم تُعتبر فينيسيا أكثر المدن رومانسية في أوربّا، وربّما في العالم بأسره. وحتى إن لم يكن هذا الرسّام مسئولا لوحده عن إظهارها بهذا الشكل، فإنه يمكن القول انه على الأقل لعب دورا عظيما في تعزيز وتكريس هذه الصورة عن المدينة.
❉ ❉ ❉
كان نرسيس شابّا رائع الجمال، لكنّه كان يحتقر الجنس. كما أن إعجابه المفرط بنفسه جنى عليه في النهاية ولم يورّثه سوى الأسى والخيبة. وحسب اوفيد، فإن نرسيس حُكم عليه بأن يحدّق إلى الأبد في صورته المنعكسة في غدير ماء. ثم هام على وجهه إلى أن مات. وبعد أن مات تحوّل إلى أوّل زهرة نرجس نبتت على الأرض.
ويُعتقد أن الأسطورة ظهرت في المجتمع اليوناني القديم المعروف بتحرّره الجنسي. كان الغرض من اختراع الحكاية التحذير ممّا يمكن أن يحدث للشباب الذين يتميّزون بالجمال وحسن الخلقة إن هم رفضوا تودّد أقرانهم الأكبر سنّاً.
تقول القصّة إن الكثير من النساء وقعن في حبّ نرسيس، لكنه رفضهن جميعا. وإحدى هؤلاء واسمها ايكو "أو الصدى" أصابها كرب شديد نتيجة تمنّعه عنها وانسحبت إلى بقعة مهجورة. وهناك تلاشت تدريجيا إلى أن لم يبقَ منها سوى همسة حزينة.
وقد سمعت الإلهة صلوات النساء اللاتي رُفضهن ودعواتهن للانتقام منه، فحكمت على نرسيس أن يقع في حبّ صورته المنعكسة في الماء. وبالرغم من كون نرسيس شخصية أسطورية في الأساس، إلا انه كان لهذه الأسطورة تأثير هائل على الثقافة الإنسانية وعلى الفنّ والأدب وعلم النفس بشكل خاصّ.
❉ ❉ ❉
❉ ❉ ❉
ولد انتونيللو في ميسينا بـ صقلية وأصبح اسم مدينته ملحقا باسمه. وأهمّية دي ميسينا ليست فقط في اختراع وسيط جديد، وإنما في ابتكار أسلوب جديد في الرسم. في ذلك الوقت كانت الجداريات هي الوسيلة المهيمنة في رسم المناظر والبورتريهات الدينية. وكان رسم جدارية يتطلّب ملء الجدار بالجبس المبلّل والأصباغ التي تجفّ بسرعة، مع ما يتطلّبه ذلك من جهد وصبر.
لكن اللوحات الزيتية لم تكن تحتاج الى شيء من ذلك. إذ كانت تُحمل بسهولة وتستغرق وقتا أطول حتى تجفّ ويلزمها مهارة اقلّ. وفي الحقيقة كان وقت جفافها الطويل نسبيا بمثابة رصيد ثمين بالنسبة للرسّام. فقد كانت تسمح بمزج الألوان إلى ما لا نهاية وجعلها تبدو مشعّة. كما كانت الألوان الزيتية أكثر تسامحا مع الأخطاء من الوسائط اللونية القديمة.
وأثبت انتونيللو لدرجة لا تُصدّق تنوّع استخدام الألوان الزيتية والتأثيرات البصرية الهائلة التي يمكن أن يحقّقها الرسّام باستخدامها. وقد كلّفه بعض أهالي فينيسيا برسم لوحات وبورتريهات دينية في الكنائس، سرعان ما أصبحت تفتن الناس ببريقها الأخّاذ ومرونة شخوصها.
وهرع إليه رسّامون مثل بيلليني ومانتينا كي يتعلّموا منه الرسم بطريقة أفضل وأكثر سطوعا. وفي ما بعد عزا كلّ من جورجيوني وتيزيانو الكثير من نجاحهما إلى انتونيللو وتأثيره. وانتشرت أعماله بعد ذلك إلى ميلانو، حيث تأثّر به الشابّ ليوناردو دافنشي الذي كان ما يزال وقتها يتلمّس طريقه في الرسم.
ومن المفارقات الغريبة أن هذا الفنّان، باكتشافه الألوان الزيتية، كان احد العوامل الأساسية في تأجيج تلك العبقرية المدهشة التي اتسم بها الرسم الايطالي خلال ما أصبح يُعرف في العصور التالية بعصر النهضة الشمالية.
❉ ❉ ❉
في لوحة جوزيف رايت اوف ديربي المذهلة بعنوان بركان فيزوف في حالة ثوران ، لا بدّ أن يدهشك وابل الأضواء الذهبية والنيران الوردية المنبثقة من ظلمة الغيم والدخان في اللوحة. الفارق بين المنظر الذي رأيته بعينيّ في نابولي وبين صورة البركان في اللوحة كان مبعث حيرة بالنسبة لي.
فيزوف هو بالتأكيد أشهر بركان في العالم. وبيليني الأكبر، عالم الطبيعة القديم، لقي حتفه وهو يراقب ثوران البركان عام 79 قبل الميلاد والذي تسبّب في تدمير مدينة بومبي بالكامل. وقد وصف ابن أخيه اندفاع البركان في رسالة ما تزال إلى اليوم مرجعا مهمّا لعلماء البراكين.
فيزوف يُعتبر بركانا نشطا وما يزال قادرا على نفث الدخان والأبخرة. وقد فعل هذا آخر مرّة في أربعينات القرن الماضي. ويقال إن ثوران البركان تأخّر كثيرا. ليس هذا فقط، بل إن المشهد بأكمله حول نابولي مليء بالحفر والموادّ المنصهرة. فالمدينة تقع على خطّ الصدوع بين إفريقيا وأوربّا، وكانت وما تزال في قلب اهتمامات علماء الجيولوجيا.
يذكر ريتشارد فورتي في كتابه "الأرض" ان منطقة شمال نابولي أكثر قابلية للانفجار من فيزوف نفسه. وما يزعج حقّا هو هذا السؤال: إذا كانت هذه التضاريس خطرة جدّا، لماذا لا نستطيع رؤية الأخطار عيانا؟
أو بتعبير أدقّ: لماذا يصعب علينا أن نتخيّل رؤية فيزوف وهو ينفجر عندما ننظر إليه اليوم؟ النظر عبر خليج نابولي يحيلنا إلى منظر جميل وهادئ. فهناك جبل حسن الشكل في مواجهة سماء زرقاء. ولا يمكن رؤية دخان أو نار. وسيحتاج الأمر لمعجزة كي تكتشف كم أن سكون هذا المكان مخيف وصمته شرّير.
اعتقد أن هذا يقول لنا شيئا مهمّا عن وظيفة النظر. فنحن عادةً لا نصدّق سوى ما نراه ونظنّ أن النظر لوحده يمكن أن يوفّر لنا اكتشاف الحقيقة. غير أن كثيرا من الحقائق غير مرئية. وهناك مظاهر عديدة خادعة ولا تعبّر عن حقيقة الأشياء.
وفيزوف، الذي يُخفي عنفه تحت مظهره الهادئ، هو كناية واضحة عن أن ما نراه بأعيننا أحيانا لا يمكن الركون إليه لأن الواقع قد يكون غير ذلك.
Credits
suite101.com
derbymuseums.org
suite101.com
derbymuseums.org



