دايانا و آكتيون: النظرة المحرّمة
اشترى الناشيونال غاليري في لندن مؤخّرا لوحة الرسّام الإيطالي تيزيانو "أو تيشيان" دايانا وآكتيون من دوق ساذرلاند بمبلغ خمسين مليون جنيه إسترليني. تمّت الصفقة بعد مساومات طويلة وجدل كثير. المبلغ كبير ولا شكّ. لكن قيل ان اللوحة تستحق. ترى، ما الذي يجعل من هذه اللوحة عملا فنّيا خاصّا ومتميّزا؟
❉ ❉ ❉
المكان مغارة في غابة داكنة وكثيفة الأشجار. خلف الغابة سماء ساطعة زرقاء وغائمة. في المغارة، هناك نافورة صغيرة وجدول ماء تستحمّ فيه إلهة الصيد دايانا برفقة وصيفاتها اللاتي يسلّين أنفسهن. الوصيفات مهتمّات بالإلهة وإحداهنّ تنشّف إحدى قدميها بقطعة قماش عند طرف النافورة. ووسط هذا المشهد الحميم، يندفع آكتيون الصيّاد، يزيح بيده الستارة ويَراهُنّ وهنّ على تلك الحال. خطيئة رهيبة أن يرى رجل إلهة متجرّدة ناهيك عن أن تكون دايانا نفسها، الصارمة العفيفة.
تيزيانو يمسك باللحظة الكارثية في قصّة دايانا وآكتيون التي رسمها بناءً على تكليف من فيليب الثاني ملك اسبانيا في عام 1550، واعتمد في تفاصيلها على ما ذكره اوفيد في كتاب "التحوّلات".
كان الرسّام يعتبر هذا العمل قصيدة بصرية ونوعا من المحادثة مع قصّة أوفيد، أكثر منها محاولة لإعادة بناء المشهد الذي حكى عنه الأخير في كتابه.
آكتيون صيّاد بريء قاده مصيره المشئوم إلى الغابة. وتيزيانو يصوّر في اللوحة ردود فعل النساء وهنّ يرين الرجل الدخيل يقتحم عليهن خلوتهنّ. كما يصوّر حالة الهرج والمرج التي استبدّت بهن وهنّ يصرخن ويندفعن لتغطية الإلهة وستر جسدها.
لكن دايانا ترتفع فوق مستوى المفاجأة. وجهها تعلوه حمرة الخجل والغضب جرّاء ما حدث، وتنظر وراءها باحثةً عن سهامها. لكن السهام ليست هناك. لذا تتناول أقرب شيء منها، حفنة من ماء لترشّه بها. تتحدّاه قائلة: الآن إذهب وقل للناس إنك رأيتني عارية"!
من الواضح أنها تخشى القيل والقال. لكن الرجل يهرب من المكان بسرعة. وفي الطريق يرى انعكاس صورته في الماء. يريد أن يصرخ، لكنّه لا يجد صوته. لقد رأى قرنين يبرزان من رأسه. وعرف انه في طريقه لأن يتحوّل إلى أيل. تلمحه كلابه وهو على تلك الحال، فتهجم عليه وتمسك به. وبينما تمزّق أطرافه وتنهش لحمه، تنادي الكلاب على سيّدها متسائلةً لماذا هو غائب عن المشهد الممتع.
ما فعله تيزيانو هو انه أدخل لحظة خاطفة أو إطارا متجمّدا في قصّة اوفيد. وما نراه في اللوحة هو لحظة وصول آكتيون الذي يدخل المشهد في لحظة واحدة. وجهه يتحوّل إلى لون قرمزي. يداه تعبّران عن مستوى الصدمة. المرأة القريبة من الستارة تحاول إعادتها إلى وضعها السابق وتلتفت لتنظر إلى سيّدتها في رعب.
امرأة أخرى تختبئ وراء عامود. وثالثة تجلس على طرف النافورة مهتزّة وجلة. فقط المرأة السمراء التي تقف خلف دايانا تبدو متماسكة بينما تحدّق في وجهه. الإلهة تترك انطباعا بأنها ترى صورته المنعكسة في الماء.
بناء هذه اللوحة شُيّد بعناية فائقة، كأنما أراد الرسّام دعوة المشاهد للمشاركة في جوّ التوتّر والاضطراب والوقوف مع آكتيون على طرف الغدير. بعد لحظات، ستقف دايانا على تلك الساقين الطويلتين وستتناول الإناء الزجاجي الذي يفصل بينهما.
النظرات يمكن أن تقتل. هذا هو الدرس الذي تقدّمه القصّة. جمجمة الأيل المستقرّة فوق العامود في الخلف تذكّرنا بمسار الأحداث المروّعة التي ستلي تلك اللحظة.
قصّة دايانا وآكتيون هي واحدة من سلسلة من القصص التي يسردها اوفيد في كتابه والتي يتحدّث من خلالها عن تأثير النظر إلى الأشياء. بعد النهاية المحزنة لـ آكتيون، يحكي اوفيد عن قصّة سيميل. جمال هذه المرأة راق لعيني الإله جوبيتر. وقع في حبّها ثم لم يلبث أن نام معها. كان يحبّها كثيرا وقد وعدها بأن يحقّق لها أيّ رغبة تتمنّاها.
وفي إحدى الليالي، طلبت أن تراه وهو في أوج مجده المقدّس مجرّدا من قناعه البشري الفاني. استسلم لطلبها، لكنّه كان يعرف إلى أين ستنتهي الأمور. عندما رأته المرأة في هيئته الحقيقية، انفجر جسدها إلى أشلاء صغيرة. أخذ جوبيتر الجنين الذي كان قد نما في بطنها. وفي ما بعد سيكبر الطفل ويصبح باخوس إله الخمر.
ثم ينتقل اوفيد إلى قصّة نارسيس الذي وقع في حبّ صورته المنعكسة في الماء وما جلبه عليه ذلك من تعاسة وشؤم.
النظر خطير ويمكن أن يورد صاحبه المهالك. والجاذبية أيضا خطيرة وقاتلة أحيانا.
قصّة دايانا وآكتيون رسمها الكثير من الفنّانين. لكن لا أحد جسّد الإحساس بالهلاك والدراما المثيرة التي تتضمّنها القصّة بمثل ما فعل تيزيانو.
النظرة، وحتّى اللمحة الخاطفة، يمكن أن تكون شيئا خطيرا في عالم الشعر الغنائي اللاتيني. في كتابه "مراثي الحبّ"، يكتب الشاعر بروبيرتيوس في السطر الأول من أولى قصائد ديوانه يقول: سينثيا كانت أوّل من أسرتني بعينيها. الحبّ أبطل نظرتي لما يعنيه الفخر والعناد". نظرة سينثيا في عيني عاشقها ليست نظرة حالمة. بل لمحة نارية أخضعته تماما، كما تقول قصيدة تالية.
تيزيانو يمسك باللحظة الكارثية في قصّة دايانا وآكتيون التي رسمها بناءً على تكليف من فيليب الثاني ملك اسبانيا في عام 1550، واعتمد في تفاصيلها على ما ذكره اوفيد في كتاب "التحوّلات".
كان الرسّام يعتبر هذا العمل قصيدة بصرية ونوعا من المحادثة مع قصّة أوفيد، أكثر منها محاولة لإعادة بناء المشهد الذي حكى عنه الأخير في كتابه.
آكتيون صيّاد بريء قاده مصيره المشئوم إلى الغابة. وتيزيانو يصوّر في اللوحة ردود فعل النساء وهنّ يرين الرجل الدخيل يقتحم عليهن خلوتهنّ. كما يصوّر حالة الهرج والمرج التي استبدّت بهن وهنّ يصرخن ويندفعن لتغطية الإلهة وستر جسدها.
لكن دايانا ترتفع فوق مستوى المفاجأة. وجهها تعلوه حمرة الخجل والغضب جرّاء ما حدث، وتنظر وراءها باحثةً عن سهامها. لكن السهام ليست هناك. لذا تتناول أقرب شيء منها، حفنة من ماء لترشّه بها. تتحدّاه قائلة: الآن إذهب وقل للناس إنك رأيتني عارية"!
من الواضح أنها تخشى القيل والقال. لكن الرجل يهرب من المكان بسرعة. وفي الطريق يرى انعكاس صورته في الماء. يريد أن يصرخ، لكنّه لا يجد صوته. لقد رأى قرنين يبرزان من رأسه. وعرف انه في طريقه لأن يتحوّل إلى أيل. تلمحه كلابه وهو على تلك الحال، فتهجم عليه وتمسك به. وبينما تمزّق أطرافه وتنهش لحمه، تنادي الكلاب على سيّدها متسائلةً لماذا هو غائب عن المشهد الممتع.
ما فعله تيزيانو هو انه أدخل لحظة خاطفة أو إطارا متجمّدا في قصّة اوفيد. وما نراه في اللوحة هو لحظة وصول آكتيون الذي يدخل المشهد في لحظة واحدة. وجهه يتحوّل إلى لون قرمزي. يداه تعبّران عن مستوى الصدمة. المرأة القريبة من الستارة تحاول إعادتها إلى وضعها السابق وتلتفت لتنظر إلى سيّدتها في رعب.
امرأة أخرى تختبئ وراء عامود. وثالثة تجلس على طرف النافورة مهتزّة وجلة. فقط المرأة السمراء التي تقف خلف دايانا تبدو متماسكة بينما تحدّق في وجهه. الإلهة تترك انطباعا بأنها ترى صورته المنعكسة في الماء.
بناء هذه اللوحة شُيّد بعناية فائقة، كأنما أراد الرسّام دعوة المشاهد للمشاركة في جوّ التوتّر والاضطراب والوقوف مع آكتيون على طرف الغدير. بعد لحظات، ستقف دايانا على تلك الساقين الطويلتين وستتناول الإناء الزجاجي الذي يفصل بينهما.
النظرات يمكن أن تقتل. هذا هو الدرس الذي تقدّمه القصّة. جمجمة الأيل المستقرّة فوق العامود في الخلف تذكّرنا بمسار الأحداث المروّعة التي ستلي تلك اللحظة.
قصّة دايانا وآكتيون هي واحدة من سلسلة من القصص التي يسردها اوفيد في كتابه والتي يتحدّث من خلالها عن تأثير النظر إلى الأشياء. بعد النهاية المحزنة لـ آكتيون، يحكي اوفيد عن قصّة سيميل. جمال هذه المرأة راق لعيني الإله جوبيتر. وقع في حبّها ثم لم يلبث أن نام معها. كان يحبّها كثيرا وقد وعدها بأن يحقّق لها أيّ رغبة تتمنّاها.
وفي إحدى الليالي، طلبت أن تراه وهو في أوج مجده المقدّس مجرّدا من قناعه البشري الفاني. استسلم لطلبها، لكنّه كان يعرف إلى أين ستنتهي الأمور. عندما رأته المرأة في هيئته الحقيقية، انفجر جسدها إلى أشلاء صغيرة. أخذ جوبيتر الجنين الذي كان قد نما في بطنها. وفي ما بعد سيكبر الطفل ويصبح باخوس إله الخمر.
ثم ينتقل اوفيد إلى قصّة نارسيس الذي وقع في حبّ صورته المنعكسة في الماء وما جلبه عليه ذلك من تعاسة وشؤم.
النظر خطير ويمكن أن يورد صاحبه المهالك. والجاذبية أيضا خطيرة وقاتلة أحيانا.
قصّة دايانا وآكتيون رسمها الكثير من الفنّانين. لكن لا أحد جسّد الإحساس بالهلاك والدراما المثيرة التي تتضمّنها القصّة بمثل ما فعل تيزيانو.
النظرة، وحتّى اللمحة الخاطفة، يمكن أن تكون شيئا خطيرا في عالم الشعر الغنائي اللاتيني. في كتابه "مراثي الحبّ"، يكتب الشاعر بروبيرتيوس في السطر الأول من أولى قصائد ديوانه يقول: سينثيا كانت أوّل من أسرتني بعينيها. الحبّ أبطل نظرتي لما يعنيه الفخر والعناد". نظرة سينثيا في عيني عاشقها ليست نظرة حالمة. بل لمحة نارية أخضعته تماما، كما تقول قصيدة تالية.
❉ ❉ ❉
ربّما يذكّرنا هذا بلوحة أخرى لـ تيزيانو اسمها الأعمار الثلاثة للإنسان. العاشقان البالغان يجلسان على العشب إلى يسار الصورة ويحدّق كلّ منهما بعمق في عين الآخر.
دايانا وآكتيون أعطت تيزيانو فرصة كبيرة للسعي إلى المجد من خلال أجساد النساء. في عصر النهضة الفينيسية الذي كان تيزيانو احد روّاده، كانت المحظيات معترفا بهنّ كجزء من المجتمع. وكان الفنّانون يرسمونهن، لكن ليس بطريقة أكثر إثارة من هذه اللوحة.
هذه ليست مجرّد لوحة تصوّر نساءً عاريات. بل إنها تذهب إلى أعماقهن، وتضيف تعقيدا وإثراءً لعالم تيزيانو المتخيّل.
المرآة الصغيرة على النافورة، الإناء الزجاجي إلى جانبها، والاهمّ من هذا وذاك المياه الخضراء التي تتحوّل فيها الصور والأشكال إلى نماذج طيفية وغريبة، كلّها عناصر تضاعف من متعة النظر إلى هذه اللوحة.
الأشياء الناعمة في كلّ مكان. المخمل الأحمر الذي تجلس عليه دايانا، المناشف، الستارة الوردية الطويلة التي تفشل في إخفاء النساء المستحمّات عن عيني الرجل المتلصّص، الأنسجة المخملية المليئة بالإيحاءات.
الأشجار والأعشاب والغيوم الزرقاء في السماء تُضفي مسحة واقعية على المشهد الميثي. أوراق الخريف في اللوحة ربّما تذكّرنا بأن تيزيانو كان يتقدّم في السنّ. اللوحة هي احتفاء أخير بالجسد. نظرة أخيرة قبل الصيام الكبير.
كلب دايانا الصغير النابح يواجه بجسارة كلب آكتيون الأسود الضخم. المرأة التي تقف وتعطي ظهرها للناظر تبدو مختلفة عن رفيقاتها. بشرتها زيتونية وعضلاتها ذكورية. الأمر يبدو مثيرا للاهتمام. ووصيفة دايانا السمراء مثال على عبقريّة الرسّام في التلوين.
من عناصر الإبهار في اللوحة أيضا سطوع بشرة دايانا اللؤلؤية التي يعمّقها مجاورتها لبشرة المرأة السمراء. هل ضمّن تيزيانو اللوحة امرأة سمراء كي يلمّح إلى انه إنما كان في الواقع يصوّر محظيات فينيسيا في زمانه؟ ربّما!
دايانا وآكتيون أعطت تيزيانو فرصة كبيرة للسعي إلى المجد من خلال أجساد النساء. في عصر النهضة الفينيسية الذي كان تيزيانو احد روّاده، كانت المحظيات معترفا بهنّ كجزء من المجتمع. وكان الفنّانون يرسمونهن، لكن ليس بطريقة أكثر إثارة من هذه اللوحة.
هذه ليست مجرّد لوحة تصوّر نساءً عاريات. بل إنها تذهب إلى أعماقهن، وتضيف تعقيدا وإثراءً لعالم تيزيانو المتخيّل.
المرآة الصغيرة على النافورة، الإناء الزجاجي إلى جانبها، والاهمّ من هذا وذاك المياه الخضراء التي تتحوّل فيها الصور والأشكال إلى نماذج طيفية وغريبة، كلّها عناصر تضاعف من متعة النظر إلى هذه اللوحة.
الأشياء الناعمة في كلّ مكان. المخمل الأحمر الذي تجلس عليه دايانا، المناشف، الستارة الوردية الطويلة التي تفشل في إخفاء النساء المستحمّات عن عيني الرجل المتلصّص، الأنسجة المخملية المليئة بالإيحاءات.
الأشجار والأعشاب والغيوم الزرقاء في السماء تُضفي مسحة واقعية على المشهد الميثي. أوراق الخريف في اللوحة ربّما تذكّرنا بأن تيزيانو كان يتقدّم في السنّ. اللوحة هي احتفاء أخير بالجسد. نظرة أخيرة قبل الصيام الكبير.
كلب دايانا الصغير النابح يواجه بجسارة كلب آكتيون الأسود الضخم. المرأة التي تقف وتعطي ظهرها للناظر تبدو مختلفة عن رفيقاتها. بشرتها زيتونية وعضلاتها ذكورية. الأمر يبدو مثيرا للاهتمام. ووصيفة دايانا السمراء مثال على عبقريّة الرسّام في التلوين.
من عناصر الإبهار في اللوحة أيضا سطوع بشرة دايانا اللؤلؤية التي يعمّقها مجاورتها لبشرة المرأة السمراء. هل ضمّن تيزيانو اللوحة امرأة سمراء كي يلمّح إلى انه إنما كان في الواقع يصوّر محظيات فينيسيا في زمانه؟ ربّما!
❉ ❉ ❉
في ما بعد، رسم تيزيانو لوحة أخرى بعنوان موت آكتيون. كان ذلك بتكليف من فيليب الثاني أيضا. لكنّ الرسّام احتفظ باللوحة في محترفه حتى وفاته في عام 1576. هذه هي اللوحة التوأم لـ دايانا وآكتيون. وهي تتحدّث عن الجزء الثاني من القصّة. كما أنها تعتمد إلى حدّ كبير على رواية اوفيد. لكنّها مفعمة بروح تيزيانو الشاعرية والمجنّحة.
يتحدّث كتاب "التحوّلات" عن كلاب آكتيون. كلّ واحد منها له اسم خاصّ وصفات مميّزة. وفكرة المشهد تركّز على أن الرجل قُتل على أيدي الكلاب، رفاقه المقرّبين.
في هذه اللوحة الأخيرة يصوّر تيزيانو آكتيون لحظة هجوم الكلاب عليه وتمزيق جسده بضراوة. ويُفترض أن دايانا غائبة عن المشهد بعد أن أدّت مهمّتها بكفاءة. لكنّها هناك، في مقدّمة اللوحة. هي جزء من الفعل وجوّ الإثارة. الكلاب تبدو كما لو أنها تثِب من جسدها. آكتيون في منتصف المسافة إلى تحوّله. أصبح رأسه رأس أيل، لكنّ بقيّة جسده ما تزال تحمل ملامح إنسان. وتعاطفا مع غضب الإلهة المقدّس، تبدو السماء مظلمة والطقس عاصفا ومياه النهر متقلّبة وثائرة.
أولى لحظات الرعب بالنسبة إلى آكتيون هي تلك اللحظة التي يرى فيها جسده منعكسا في مياه النهر وهو يتحوّل. في هذه اللوحة عَكْس متقن لمضمون اللوحة الأولى. النظرة المهمّة هنا هي نظرة دايانا. عينها، عين الصيّاد البارع، تحاصر الفريسة آكتيون ولا تتركه قبل أن تُمضي عليه حكمها.
الطريقة التي وضع بها الرسّام الطلاء في خلفية المنظر الطبيعي المغبرّ والمشوّش تبدو مناسبة تماما لفكرتي الموت والتحوّل.
كان آكتيون قد تعب من التجوال في الوادي، فقصد الغابة كي يروي عطشه من نبعها. تيزيانو ادخل دايانا في المشهد، وهي تظهر ممسكة بقوس وكاشفة عن ثديها الأيمن. آكتيون يصرخ في كلابه: أنا سيّدكم". لكن صيحاته تذهب مع الريح، والكلاب لا تعبأ بتوسّلاته.
أعطى تيزيانو الحكاية بعدا مأساويا. وهناك احتمال بأنه ضمّن المشهد اعترافا ذاتيا. فهي تحكي عن رجل يتحوّل إلى وحش عند رؤيته إلهة متخفّفة وتطارده كلابه كما لو أنها نوازعه الجنسية.
الصورة مثيرة جدّا للمشاعر. ومعناها، مثل أيّ عمل فنّي عظيم، لا يمكن تحديده تماما. غير أنها تثير إحساسا بالحزن والنهاية. ويُحتمل أنها تتضمّن معنى الوداع. أوراق الخريف الذابلة الصفراء التي تثيرها الرياح الباردة تعمّق هذا الإحساس.
يتحدّث كتاب "التحوّلات" عن كلاب آكتيون. كلّ واحد منها له اسم خاصّ وصفات مميّزة. وفكرة المشهد تركّز على أن الرجل قُتل على أيدي الكلاب، رفاقه المقرّبين.
في هذه اللوحة الأخيرة يصوّر تيزيانو آكتيون لحظة هجوم الكلاب عليه وتمزيق جسده بضراوة. ويُفترض أن دايانا غائبة عن المشهد بعد أن أدّت مهمّتها بكفاءة. لكنّها هناك، في مقدّمة اللوحة. هي جزء من الفعل وجوّ الإثارة. الكلاب تبدو كما لو أنها تثِب من جسدها. آكتيون في منتصف المسافة إلى تحوّله. أصبح رأسه رأس أيل، لكنّ بقيّة جسده ما تزال تحمل ملامح إنسان. وتعاطفا مع غضب الإلهة المقدّس، تبدو السماء مظلمة والطقس عاصفا ومياه النهر متقلّبة وثائرة.
أولى لحظات الرعب بالنسبة إلى آكتيون هي تلك اللحظة التي يرى فيها جسده منعكسا في مياه النهر وهو يتحوّل. في هذه اللوحة عَكْس متقن لمضمون اللوحة الأولى. النظرة المهمّة هنا هي نظرة دايانا. عينها، عين الصيّاد البارع، تحاصر الفريسة آكتيون ولا تتركه قبل أن تُمضي عليه حكمها.
الطريقة التي وضع بها الرسّام الطلاء في خلفية المنظر الطبيعي المغبرّ والمشوّش تبدو مناسبة تماما لفكرتي الموت والتحوّل.
كان آكتيون قد تعب من التجوال في الوادي، فقصد الغابة كي يروي عطشه من نبعها. تيزيانو ادخل دايانا في المشهد، وهي تظهر ممسكة بقوس وكاشفة عن ثديها الأيمن. آكتيون يصرخ في كلابه: أنا سيّدكم". لكن صيحاته تذهب مع الريح، والكلاب لا تعبأ بتوسّلاته.
أعطى تيزيانو الحكاية بعدا مأساويا. وهناك احتمال بأنه ضمّن المشهد اعترافا ذاتيا. فهي تحكي عن رجل يتحوّل إلى وحش عند رؤيته إلهة متخفّفة وتطارده كلابه كما لو أنها نوازعه الجنسية.
الصورة مثيرة جدّا للمشاعر. ومعناها، مثل أيّ عمل فنّي عظيم، لا يمكن تحديده تماما. غير أنها تثير إحساسا بالحزن والنهاية. ويُحتمل أنها تتضمّن معنى الوداع. أوراق الخريف الذابلة الصفراء التي تثيرها الرياح الباردة تعمّق هذا الإحساس.
❉ ❉ ❉
❉ ❉ ❉
في الأساطير اليونانية القديمة، كان الرجال والنساء يُكافَأون أو يُعاقبون بتحويلهم إلى نجوم وأزهار وأشجار وحيوانات. ويرجّح أن اوفيد ألّف التحوّلات في فترة قريبة جدّا من مولد المسيح. وكان كتابه مصدرا أساسيا لفنّ عصر النهضة بالقدر الذي كان فيه العهد الجديد مصدرا للمسيحية.
القصص الحزينة عن وحشية الآلهة تجاه الإنسان نقلها الرسّامون إلى لوحاتهم وأضافوا إليها الكثير من الإحساس والعاطفة والحزن وبطريقة لا تختلف كثيرا عن أسلوب تصويرهم لحادثة صلب المسيح.
في قصّة دايانا وآكتيون، يعطي اوفيد النساء أسماءً ويفصّل كثيرا في الحديث عن واجباتهنّ تجاه الإلهة. كما يتحدّث عن الكلاب وأيّها هاجم الرجل أوّلا وكيف وأين عضّته.
وعندما ننظر إلى القصّة ونتأمّل تفاصيلها، قد يخطر لنا أن عنف دايانا غير مبرّر. فكلّ ذنب الرجل انه ضلّ الطريق ولم يكن باستطاعته أن يفعل غير ما فعل. الأمر لا يعدو كونه حادثة بسيطة مع شيء من الفضول.
لوحتا تيزيانو عن القصّة يمكن اعتبارهما إسهاما من الفنّان في النقاش الذي كان يجري في عصره حول أيّهما أعظم: الرسم أم الشعر؟
في اللوحة الأخيرة، ما يزال آكتيون ممتلكا لعقله ومشاعره ولم يتحوّل بعد بالكامل إلى وحش. وقد أضاف تيزيانو شيئا على الحكاية الأصلية. فـ دايانا تستأنف صيدها وكأن شيئا لا يحدث. والطريدة التي تصوّب عليها قوسها تقع خارج حدود الصورة. إنها لا تبالي حتى بإلقاء نظرة أخيرة على آكتيون في محنته رغم انه في نفس اتجاهها.
تذكر القصّة انه خرج في بداية الأمر مع عدد من أصدقائه للصيد. غير انه ضلّ طريقه. ذلك كان خطأه الوحيد، أي النظر إلى إلهة متجرّدة. يقول اوفيد: ليس هناك خطيئة في أن يضلّ الإنسان سبيله".
لقد أخطأ آكتيون. قد يكون ركّز عينيه على جسد المرأة. وربّما يكون حاول ألا ينظر. غير أن دايانا لم تكن مهتمّة بمسألة ما إذا كان مذنبا أم بريئا. كانت هي إلهة محتشمة. وفي تلك اللحظة لم يكن قوسها حاضرا. لذا ألقت بالماء، الماء السحري، في وجهه. وبعد وقت قصير من ذلك، أحسّ بالتهاب في وجهه وبأن شيئا ما على وشك أن يبرز في طرفي رأسه.
حتى صوته فقده عندما أراد أن يخبر الكلاب انه هو. الكلاب في اللوحة تمسك بسيّدها المسكين. هي متحمّسة ونشطة وتفعل ما كان درّبها على فعله.
الشيء الغريب أنك عندما تنظر إلى رأس آكتيون، لن تستطيع أن ترى عينيه. وتيزيانو معروف ببراعته في تصوير أعماق وانعكاسات العيون. لكنه هنا اختار أن يُعمي آكتيون على ما يبدو، وكأن هذا معادل فنّي لحرمان اوفيد له من الكلام.
لكن لوحة تيزيانو لا تخلو من روح دعابة. القصّة أساسا هي كوميديا سوداء عن العقاب الذي يتعرّض له المتلصّص. غير أن الرسّام يستمتع بالحضور الفخم لـ دايانا بطريقة احتفالية ومبهجة. مع أن اللوحة تظلّ حزينة، بل ومثيرة للشفقة كثيرا.
المأساة تظهر في الأشجار أيضا. إنها صفراء شاحبة وخريفية. وهي ليست أشجارا شابّة طازجة وخضراء، بل تبدو متعبة أضناها التآكل والشيخوخة. لكنّ تلك الأشجار ما تزال جميلة وذات نسيج سميك.
بإمكانك أيضا أن تحسّ بالجوّ العاصف وبالنسيم البارد قبل العاصفة وبالسحب المتحوّلة من الرمادي إلى الأصفر وكأنها وعد مشئوم من السماء.
لوحة "موت آكتيون" لم تذهب إلى اسبانيا أبدا. ولم تُضمّ إلى مجموعة فيليب الثاني. بل ظلّت في محترف الرسّام إلى أن مات. ويبدو أن هذه اللوحة تتضمّن عنصرا شخصيّا. إنها إحدى اللوحات التي يتحدّث فيها تيزيانو عن نفسه. وقد يكون هو آكتيون الذي تتقدّم به السنّ سريعا، الإنسان الشقيّ الواقع تحت رحمة عينيه المتجوّلتين المتفحّصتين دوما.
القصص الحزينة عن وحشية الآلهة تجاه الإنسان نقلها الرسّامون إلى لوحاتهم وأضافوا إليها الكثير من الإحساس والعاطفة والحزن وبطريقة لا تختلف كثيرا عن أسلوب تصويرهم لحادثة صلب المسيح.
في قصّة دايانا وآكتيون، يعطي اوفيد النساء أسماءً ويفصّل كثيرا في الحديث عن واجباتهنّ تجاه الإلهة. كما يتحدّث عن الكلاب وأيّها هاجم الرجل أوّلا وكيف وأين عضّته.
وعندما ننظر إلى القصّة ونتأمّل تفاصيلها، قد يخطر لنا أن عنف دايانا غير مبرّر. فكلّ ذنب الرجل انه ضلّ الطريق ولم يكن باستطاعته أن يفعل غير ما فعل. الأمر لا يعدو كونه حادثة بسيطة مع شيء من الفضول.
لوحتا تيزيانو عن القصّة يمكن اعتبارهما إسهاما من الفنّان في النقاش الذي كان يجري في عصره حول أيّهما أعظم: الرسم أم الشعر؟
في اللوحة الأخيرة، ما يزال آكتيون ممتلكا لعقله ومشاعره ولم يتحوّل بعد بالكامل إلى وحش. وقد أضاف تيزيانو شيئا على الحكاية الأصلية. فـ دايانا تستأنف صيدها وكأن شيئا لا يحدث. والطريدة التي تصوّب عليها قوسها تقع خارج حدود الصورة. إنها لا تبالي حتى بإلقاء نظرة أخيرة على آكتيون في محنته رغم انه في نفس اتجاهها.
تذكر القصّة انه خرج في بداية الأمر مع عدد من أصدقائه للصيد. غير انه ضلّ طريقه. ذلك كان خطأه الوحيد، أي النظر إلى إلهة متجرّدة. يقول اوفيد: ليس هناك خطيئة في أن يضلّ الإنسان سبيله".
لقد أخطأ آكتيون. قد يكون ركّز عينيه على جسد المرأة. وربّما يكون حاول ألا ينظر. غير أن دايانا لم تكن مهتمّة بمسألة ما إذا كان مذنبا أم بريئا. كانت هي إلهة محتشمة. وفي تلك اللحظة لم يكن قوسها حاضرا. لذا ألقت بالماء، الماء السحري، في وجهه. وبعد وقت قصير من ذلك، أحسّ بالتهاب في وجهه وبأن شيئا ما على وشك أن يبرز في طرفي رأسه.
حتى صوته فقده عندما أراد أن يخبر الكلاب انه هو. الكلاب في اللوحة تمسك بسيّدها المسكين. هي متحمّسة ونشطة وتفعل ما كان درّبها على فعله.
الشيء الغريب أنك عندما تنظر إلى رأس آكتيون، لن تستطيع أن ترى عينيه. وتيزيانو معروف ببراعته في تصوير أعماق وانعكاسات العيون. لكنه هنا اختار أن يُعمي آكتيون على ما يبدو، وكأن هذا معادل فنّي لحرمان اوفيد له من الكلام.
لكن لوحة تيزيانو لا تخلو من روح دعابة. القصّة أساسا هي كوميديا سوداء عن العقاب الذي يتعرّض له المتلصّص. غير أن الرسّام يستمتع بالحضور الفخم لـ دايانا بطريقة احتفالية ومبهجة. مع أن اللوحة تظلّ حزينة، بل ومثيرة للشفقة كثيرا.
المأساة تظهر في الأشجار أيضا. إنها صفراء شاحبة وخريفية. وهي ليست أشجارا شابّة طازجة وخضراء، بل تبدو متعبة أضناها التآكل والشيخوخة. لكنّ تلك الأشجار ما تزال جميلة وذات نسيج سميك.
بإمكانك أيضا أن تحسّ بالجوّ العاصف وبالنسيم البارد قبل العاصفة وبالسحب المتحوّلة من الرمادي إلى الأصفر وكأنها وعد مشئوم من السماء.
لوحة "موت آكتيون" لم تذهب إلى اسبانيا أبدا. ولم تُضمّ إلى مجموعة فيليب الثاني. بل ظلّت في محترف الرسّام إلى أن مات. ويبدو أن هذه اللوحة تتضمّن عنصرا شخصيّا. إنها إحدى اللوحات التي يتحدّث فيها تيزيانو عن نفسه. وقد يكون هو آكتيون الذي تتقدّم به السنّ سريعا، الإنسان الشقيّ الواقع تحت رحمة عينيه المتجوّلتين المتفحّصتين دوما.
❉ ❉ ❉
كان تيزيانو رسّاما عظيما. كان أمير الرسّامين ورسّام الملوك والأمراء وعامّة الناس. وقد ظلّ الفنّانون يتعلّمون منه ويدرسونه ويستمدّون منه الإلهام. فيلاسكيز وروبنز ورمبراندت كانوا بعض أتباعه المخلصين. وأهميّته لا تختلف عن تلك التي لـ ليوناردو وميكيل انجيلو.
كان يرتدي قناعا طوال عمره. وقد عاش حياته كلّها في فينيسيا التي كانت في وقته أرقى مدينة في العالم. كان مشهورا منذ سنوات عمره الأولى. وقد عرف كبار الكتّاب والشعراء وأرسِل في مهامّ ديبلوماسية. وهذا صقله كثيرا ورفع مكانته وفتح له الباب إلى مجالس الملوك والأمراء.
ومع ذلك فإن حياته ما تزال مجهولة وغامضة، تماما مثل غموض الكثير من لوحاته. ويقال إنه مات وله من العمر 104 أعوام. ويرجّح أن في هذا مبالغة. في ذلك الوقت، أي قبل حوالي خمسمائة عام، كان كلّ من يعيش حتى الخمسين يُعتبر إنسانا محظوظا. جورجيوني، معاصر تيزيانو وأحد أنجب تلاميذه، مات بالطاعون وعمره لا يتجاوز الرابعة والثلاثين. والاحتمال الأكثر ترجيحا هو أن تيزيانو كان بين الثمانين والتسعين عند وفاته.
كان يرتدي قناعا طوال عمره. وقد عاش حياته كلّها في فينيسيا التي كانت في وقته أرقى مدينة في العالم. كان مشهورا منذ سنوات عمره الأولى. وقد عرف كبار الكتّاب والشعراء وأرسِل في مهامّ ديبلوماسية. وهذا صقله كثيرا ورفع مكانته وفتح له الباب إلى مجالس الملوك والأمراء.
ومع ذلك فإن حياته ما تزال مجهولة وغامضة، تماما مثل غموض الكثير من لوحاته. ويقال إنه مات وله من العمر 104 أعوام. ويرجّح أن في هذا مبالغة. في ذلك الوقت، أي قبل حوالي خمسمائة عام، كان كلّ من يعيش حتى الخمسين يُعتبر إنسانا محظوظا. جورجيوني، معاصر تيزيانو وأحد أنجب تلاميذه، مات بالطاعون وعمره لا يتجاوز الرابعة والثلاثين. والاحتمال الأكثر ترجيحا هو أن تيزيانو كان بين الثمانين والتسعين عند وفاته.
Credits
archive.org
artnet.com
archive.org
artnet.com

