خواطر في الأدب والفن
ماغريت، بأسلوبه السوريالي وميله لمزج الفنّ بالفلسفة والأفكار الوجودية، رسم نسخة مشابهة تقريبا لبورتريه دافيد للمرأة، لكنه استبدل صورتها بصورة تابوت تتدلّى من أسفله قطعة صغيرة من القماش. وقد أراد من خلال لوحته أن يقول إن تلك القطعة من القماش هي كلّ ما تبقى من تلك السيّدة التي كانت أثناء حياتها ملء السمع والبصر ومحطّ إعجاب الناس واهتمامهم.
ولوحة ماغريت أثارت السؤال القديم الذي طالما شغل الكثيرين. فإذا كان الموت هو النهاية الطبيعية لكلّ مخلوق على ظهر البسيطة، وإذا كان الموت ينهي أي وجود مادّي للإنسان من هذه الأرض، فما مبرّر لهاثنا المحموم وراء متع ومطامع الدنيا ونحن نعرف أن الموت هو نهاية كلّ شيء وعندما نموت ينقطع كلّ أثر لنا من هذا العالم.
ماتت مدام ريكامييه منذ أكثر من 150 عاما. ومات قبلها الرسّام دافيد بخمسة وعشرين عاما. ثم مات في إثرهما ماغريت. وبقي من المرأة ما تحفظه بطون الكتب عن أدبها وجمالها، وبقي من الرسّامَين لوحتاهما اللتان رسماهما لتلك المرأة. وأختم كلامي بتذكّر الآية القرآنية العظيمة: "إنما هذه الحياة الدنيا متاع وأن الآخرة هي دار القرار". صدق الله العظيم.
❉ ❉ ❉
كان هناك منظران يعلو كلّ منهما الآخر. المنظر السفلي بدا شبيها بالصحراء مع مرتفعات هنا وهناك تشبه إلى حدّ كبير جبال الملح الضخمة. والمنظر الذي تحتنا مباشرة كان يشبه بحرا عظيما تتوزّع وسط مياهه الزرقاء جزر أشبه ما تكون بجبال الجليد الهائلة. وأحيانا تتحوّل الصورة لتأخذ شكل أكوام ضخمة من القطن الناصع. وبين كلّ كومة وأخرى انتشرت بقع متوهّجة كأنها حبّات ضوء في مغارات صامتة.
مرأى الغيوم من هذا العلوّ الشاهق يدفعك إلى النظر بعمق فيما وراء الطبقات. كلّ طبقة تخفي خلفها ما يشبه الجبل أو النهر أو الشجرة أو البحر. وكلّ واحد من هذه العناصر يبعد عن الآخر بما يكفي لأن يعطي المنظر عمقاً أكبر.
ساورني في تلك اللحظة سؤال ساذج: ماذا لو تتعطّل قوانين الفيزياء لبضع دقائق كي تتيح الخروج إلى هذا الفضاء الرحيب فيتنفّس الانسان هواء الغيم ويلامس السحاب بيديه ويخطو بقدميه عند ابعد نقطة في الأفق.
بعد دقائق، لاحت على البعد بقعة أرجوانية صغيرة. ووراءها ارتفع حاجز أشبه ما يكون بالحائط العملاق وقد اصطبغ بلون برتقالي. ولم يلبث اللون الأرجواني أن ارتفع عن خطّ الأفق، ثم بدأ يتّسع ويكبر إلى أن غمر المكان ضوء ساطع ومبهر.
منظر الشمس وهي تشرق من السماء كان مهيبا وساحرا. تذكّرت في تلك اللحظة حقول فان غوخ وسماواته الزرقاء والبقع الحمراء والبرتقالية والذهبية في خلفيّتها.
نظرت إلى الراكب الجالس بجواري وأشرت بيدي إلى المنظر خارج الطائرة. قال: الشمس؟ سبحان الله. منظر عجيب فعلا". واصلنا معا تأمّل المنظر بصمت لم يقطعه سوى وصول المضيفة. طلبت عصيرا. بينما امتنع جاري عن طلب شيء. وعدت إلى النافذة متأمّلا المنظر الذي أمامي.
وبعد دقائق التفت جاري نحوي فجأة وقال: هذا العصير كم دفعت مقابله؟ قلت: لم ادفع شيئا. هو من ضمن قيمة التذكرة. يبدو أنك تركب الطائرة لأوّل مرّة". بدت على الرجل ملامح الإحراج وقال: صحيح. لم اركب الطائرة قبل الآن".
صمتُّ قليلا وأنا أفكّر في مغزى سؤال الراكب الطيّب. قلت في نفسي: كلّنا، بشكل أو بآخر، نشبهه. ما أكثر ما نفرّط في أبسط حقوقنا ونتنازل عنها بسبب جهلنا بها. جهل الانسان بحقوقه مهما كانت بسيطة يدفعه لأن يتنازل عنها.
عدت أحدّق من وراء النافذة. في أبعد نقطة من هذا الفراغ الشاسع بما لا يُحد، خُيّل إليّ أنني أرى أجساما بيضاء تشبه في هيئاتها وحركاتها سربا من اليمام. مرّت لحظات. كنت أراقب الشمس وهي ترتفع أكثر فأكثر، بينما كان السرب يتحرّك مبتعدا إلى أن اختفى تماما وراء الأفق.
❉ ❉ ❉
❉ ❉ ❉
ومن أقواله أيضا "النظرية يجب أن تكون دراسة وليست عقيدة". وأيضا "الحرب ليست أكثر من استمرار للسياسة، لكن بوسائل أخرى". غير أن أشهر عبارة منسوبة لـ كلوزيفيتز هي قوله "في السياسة لا يوجد أصدقاء دائمون ولا أعداء دائمون، بل مصالح دائمة". وكثيرا ما تُنسب الجملة الأخيرة خطئاً لـ تشيرشل أو بالمرستون.
صحيح أن فون كلوزيفيتز كان رجلا عسكريا. لكن من يقرأ آراءه لن يشكّ في أن هذا الرجل كان بنفس الوقت مفكّرا وفيلسوفا ومنظّرا في علم الاجتماع والأخلاق. وهي صفات يندر أن تجتمع في قائد عسكري.
❉ ❉ ❉
- نعم.
من الواضح انه لا توجد شجرة هناك غيرها.
- صحيح.
ألا تعتقد أن تلك الشجرة وحيدة هناك؟
- لا.
لماذا لا؟ انظر جيّدا. لا توجد حولها أعشاب ولا نباتات من أيّ نوع. هي وحيدة ومنعزلة في ذلك المكان النائي والموحش.
- لا أظنّ. لو لم تكن الشجرة هناك لكان الجبل نفسه أكثر إحساسا بالوحدة.


