خواطر في الأدب والفن


  • منذ القدم، اعتُبر وجه الإنسان ملمحا مميّزا وعلامة اجتماعية. ومنذ عصور ما قبل التاريخ، ومرورا بعصر النهضة ثم العصر الحديث، كانت الوجوه، وما تزال، ركنا أساسيّاً في الفنّ.
    الفنّانون الذين يرسمون الوجوه إمّا يرسمونها في سياق سرديّ، وإما يستخدمونها على سبيل المجاز والاستعارة. وفي كلّ الأحوال، فإن الوجه المرسوم يتواصل مباشرة مع المتلقّي من خلال التعبيرات التي قد تكشف عن قصّة درامية أو عن حالة أو موقف انفعالي. وخلال عصر النهضة بالذات، ساد اعتقاد بأن المظهر الخارجي للإنسان، خاصّة تعبيرات وجهه، يعكس إلى حدّ كبير طبيعته الداخلية.
    الوجه هو أوّل ما نلاحظه في الأشخاص الذين نقابلهم كلّ يوم. وهو يقول لنا الكثير عن الشخص. وكثيرا ما نكوّن انطباعاتنا الأوّلية عن الآخرين من خلال تعبيرات وجوههم. قد ننظر إلى شخص ما فننجذب إلى ملامح وجهه ويصبح جديرا بثقتنا ومن ثمّ نرتبط به. وقد ننفر من شخص ما لأن تعبيرات وجهه تشي بالخداع أو المكر فنتجنّبه.
    لكنْ وراء هذا الفعل السلوكي يكمن عامل أكثر عمقاً. فطوال فترة وجود الإنسان على الأرض، كانت قراءة ملامح الوجه سببا مهمّا في البقاء. فبهذه الطريقة، أي الاعتماد على تعبيرات الجسد والوجه لفهم النوايا والمشاعر، تَعلّم أسلافنا الأوّلون كيف يتجنّبون الصراع ويتفرّغون للتناسل وجمع الغذاء وبناء المأوى.
    واليوم تتوفّر أدلّة جديدة ومدهشة من علم الأعصاب تؤكّد أن للوجوه مكانا خاصّا في الدماغ يقوم بتحليلها وتمييزها. وعندما تنظر إلى وجوه الناس الذين حولك، فأنت إنّما تُشرك في هذه العملية ذلك الجزء من دماغك المخصّص لتصوّر وإدراك الوجوه.
    وما يحدث هو أنك عندما تنظر إلى وجه شخص ما، فإن الدم يتدفّق تلقائيا باتجاه منطقة في الفصّ الأيمن من الدماغ تُسمّى منطقة التلفيف المِغزلي. ومهمّة هذا الجزء من الدماغ هي التفاعل مع الوجوه وتحليل ملامحها وتمييزها.
    وجميع الكائنات الحيّة تقريبا، بما في ذلك الكلاب والقطط وحتى العناكب، تشترك في طبيعة تركيبة الوجه وتموضع الأعضاء فيه، كالجبين والعينين والذقن والأنف.. الخ.
    وهذا الترتيب أو التناسق في تشكيل الوجوه بهذه الطريقة المنظّمة من شأنه أن يحسّن فرص الكائن لأن يبقى على قيد الحياة لأطول فترة ممكنة. فالعينان، من مكانهما العالي في الوجه، تتوفّران على أفضل فرصة لرؤية العالم من زوايا متعدّدة. ووضع الأنف المتّجه إلى أسفل يمكّن الكائن من تجنّب المطر. وموضع الفم تحت العينين والأنف مباشرة يضمن ألا يدخله طعام إلا بعد أن تتفحّصه الأنف والعينان التي فوقه.
    والوجوه كانت دائما مصدرا للفتنة والإثارة. ولدى بعض الناس شغف خاص بقراءة الوجوه. وربّما كانت تلك طبيعة متجذّرة في البشر. وأحد أهمّ دوافعها هو الرغبة في التواصل مع الآخرين وبناء جسور الصداقة معهم.
  • ❉ ❉ ❉

    ❉ ❉ ❉

  • بعد سنوات طويلة من النسيان، تحاول السويد بعث الاهتمام بواحد من أشهر رسّاميها الذي عاش قبل أكثر من مائتي عام.
    كان الكسندر روزلين رسّام الطبقة الأرستقراطية الأوروبّية في منتصف القرن الثامن عشر. وكان عمله مطلوبا من قبل أشهر العائلات الملكية في أوربّا. وما يزال هذا الرسّام شاهدا غير عادي على مجتمع كان فيه الارستقراطيون على علاقة وثيقة بالفنّانين والمثقّفين.
    تعلّم روزلين الرسم على يد مواطنه الرسّام جورج شرودر. لكن بمجرّد أن شعر أنه لم يعد قادرا على تعلّم المزيد من أستاذه، وضع عينه على أوروبّا. وبعد بضع سنوات قضاها في إيطاليا، وصل إلى باريس والتحق بأكاديمية الفنون فيها.
    وعندما وصل روزلين إلى فرنسا عام 1752، عقد صداقة مع الرسّام فرانسوا بوشيه الذي كان آنذاك أستاذا في أكاديمية الرسم الملكي. وأدّت تلك العلاقة إلى فتح الكثير من الأبواب أمامه، وحقّق نجاحا كبيرا في أوساط الفنّ الفرنسي. وعند وفاته عام 1793، كان أغنى فنّان في فرنسا.
    أسلوب روزلين في الرسم كان مذهلا. وعمله يثبت قدرته على تصوير العوالم الداخلية للشخصيات التي كان يرسمها، كما يظهر من بورتريهاته التي تتميّز بنغماتها الواضحة والجديدة وبتأثّره بأسلوب الروكوكو.
    ومن أشهر أعماله، التي تربو على المائة، البورتريه المسمّى ذات الخِمار والذي اعتبره الناقد والفيلسوف دونيه ديدرو أفضل لوحة عرضها صالون باريس عام 1769. المرأة ذات الابتسامة الغامضة في اللوحة لم تكن شخصية ملوكية ولا عضوا في المجتمع الراقي أو الارستقراطي، بل كانت زوجة روزلين نفسه ماري غيروست.
    تصوير روزلين الواقعي والرائع لزوجته يثير الإحساس بالغموض والأنوثة، ويذكّر بعلاقة الحبّ الملتزم التي كانت تربطه بها. ولوحاته، بشكل عام، تركّز على الثقافة المصطنعة والنخبوية للقرن الثامن عشر، بما كانت تتسم به من ميل إلى حياة البذخ والاستهلاك. كانت النخبة الأوروبية في ذلك الوقت ترغب في أن تنأى بنفسها عن بقيّة المجتمع. وكان أفرادها مهجوسين بالمثل الجمالية العالية وبتمثيل الأدوار واستهلاك السلع الكمالية.
    وقد استخدم روزلين مهاراته الفنّية في رسم نمط الحياة الباذخة لرعاته وزبائنه ولم يتردّد في الامتثال لرغباتهم. وبفضل موهبته الفنّية وشبكة اتصالاته وصداقاته الواسعة، استطاع وبطريقة ذكيّة أن يتقدّم إلى الأمام وأن يطوّر فنّه.
    وهناك سمة مميّزة في أعماله تتمثّل في قدرته على الاستنساخ شبه الفوتوغرافي للملابس والاكسسوارات والملامح الناعمة لشخصيّاته. كما أن الملابس وطبيعة الأماكن في أعماله هي دليل لا يخطئ على مكانة ومهنة الأشخاص المرسومين.
  • ❉ ❉ ❉

  • أحيانا، وبتأثير عامل الصدفة وحده، يمكن لشخصين أن يرتبطا ببعضهما فكريّا ووجدانيّا دون أن يلتقيا أو يعرف أيّ منهما الآخر بالرغم من أن كلا منهما يعيش في مكان مختلف. الرسّام الأمريكي جون سنغر سارجنت (1856-1925) والرسّام الاسباني يواكين سورويا (1923-1863) كانا يعيشان في عالمين مختلفين ولم يكونا على معرفة ببعضهما البعض، ومع ذلك كان يتنفّسان نفس الهواء وينسجان ذات الأحلام وتُحرّكهما نفس الدوافع والهواجس.
    كان الاثنان متوافقين في أفكارهما، وكانت لديهما مشاعر وأفكار متماثلة. وأوجه الشبه بينهما غريبة وكثيرة. فقد عاشا في نفس العصر تقريبا. وهناك ملامح مشتركة بين أعمالهما وفنّهما. وكلاهما كان يعبّر عن تقديره وإعجابه بالآخر عن بعد.
    في بدايات القرن العشرين، فتن سورويا باريس بلوحاته التي ينبعث منها الضوء الساطع. الكاتب والسياسيّ الفرنسي هنري روشفور عبّر عن إعجابه الكبير بمناظر سورويا بقوله: لا أعرف فرشاة أخرى تشعّ بكلّ هذا القدر من الضوء". وفي نفس الوقت تقريبا، كان جون سارجنت يحقّق نجاحا كبيرا من خلال لوحاته التي كان يعرضها في كلّ من لندن وباريس.
    بدأ كلّ من الرسّامين حياتهما المهنية في الجيل الذي أحدث ثورة كبيرة في الفنّ المعاصر، أي الانطباعيين. غير أنهما فضّلا أن لا يصطفّا مع التيّار الجديد. كانا يستكشفان المزيد من أساليب توظيف الضوء واللون في لوحاتهما ويدافعان عن الفنّ الحديث المستوحى من تقاليد الطبيعة.
    وجه الشبه الآخر المهم بين سورويا وسارجنت يتمثّل في أن كلا منهما كان متأثّرا بالرسّام الإسباني دييغو فيلاسكيز. وقد سافر سارجنت إلى مدريد لزيارة متحف برادو ودراسة لوحات المعلّم الاسباني. وتعلّم أن يرسم بخطوط فرشاة عريضة مع ظلال كبيرة ودرجات لون متوسّطة. وتأثير فيلاسكيز يمكن ملاحظته أيضا على سورويا من خلال أسلوبه في التوليف واستخدام الضوء.
    سورويا وسارجنت حقّقا إبداعات كبيرة في حياتهما المهنية وكانا متفرّدين في أسلوبهما في استكشاف الضوء واللون. وقد ترك كلّ منهما إرثا كبيرا. سارجنت رسم أكثر من 900 لوحة زيتية وأكثر من 2000 لوحة مائية، بالإضافة إلى دراسات عديدة بالفحم. أما سورويا فكان واحدا من أكثر الرسّامين الإسبان إنتاجا، إذ رسم أكثر من 2200 لوحة تتوزّع على العديد من متاحف وغاليريهات العالم.

  • Credits
    archive.org
    sorollapaintings.com

    المشاركات الشائعة من هذه المدونة

    مخطوطات قرآنية نادرة

    اللوحات العشر الأكثر ترويعاً وعُنفاً

    أساطير قديمة: العنقاء