الولد الشرّير في فنّ الباروك


بعض الرسّامين إما أن تحبّه وإما أن تكرهه. وكارافاجيو هو أحد هؤلاء الذين لا تنفع معهم أنصاف المواقف أو الحلول. لكن لا شكّ في موهبته الكبيرة في الرسم على الرغم من عنف شخصيّته وقسوة رسوماته.
يمكن للإنسان أن يتعاطف مع شخص مثل كارافاجيو بالنظر الى طفولته البائسة وحالة اليُتم التي عاشها في صغره وفقده لمعظم أفراد عائلته بسبب الطاعون الذي اجتاح ميلانو عام 1577 عندما كان عمره ستّ سنوات.
كان كارافاجيو الولد البلطجي أو القبضاي في فنّ عصر الباروك. مشاغباته الكثيرة كان لها منطقها أحيانا: نادل في حانة أغضبه ذات مرّة فما كان منه إلا أن هشّم وجهه بالكأس. وشخص آخر أهانه بالحديث عنه في غيابه، فانتقم منه بمهاجمته من الخلف بسيف. وهكذا.
وقد اعتُقل مرّات لا تُحصى بسبب مشاجراته ومشاكله. وأمضى السنوات الأخيرة من حياته هاربا ومطلوبا في جريمة قتل. الرجل الذي قتله الرسّام بطعنة في الفخذ ربّما كان مجرما منافسا. وقد صبّ كارافاجيو العنف الذي اتّسمت به حياته في فنّه. ومع ذلك فإن بعض لوحاته مليئة بالرقّة والعاطفة.
ذلك المزيج من الغضب والتعاطف هو ما جعل منه فنّانا مثيرا. وهذا هو السبب في أن لوحاته تبدو حديثة جدّا على الرغم من مرور 400 سنة على وفاته. كان هناك منطق وراء العنف الذي مارسه كارافاجيو في حياته. صحيح انه كان شخصا خطيرا جدّا، لكنه لم يكن مجنونا.
وقد يكون أحد أسباب عنف شخصيّته وقسوته انه جرّب حياة الشوارع في مرحلة مبكّرة من عمره. وانضمّ وقتها إلى مجموعة من المجرمين والخارجين على القانون. وكان هؤلاء يؤمنون بشعار يقول: لا أمل، إذن لا خوف".
كارافاجيو نفسه كان شخصا متبجّحا وماجنا، وفي النهاية أصبح قاتلا. وبسبب حياته المشينة تلك، أصبح هو الفنّان الأكثر شهرة وسوء سمعة من بين جميع فنّاني عصره.
قدّيسوه الذين كان يرسمهم قذرون وشُعث الرؤوس، وأشراره ضحايا. لم يكن مهتمّا بالحيل الفنّية، بل كان هدفه الوحيد هو رسم الحقيقة. لوحاته الجريئة والمملوءة بالظلال والدراما دفعت بالرسم في اتجاه جديد، وأكسبت كارافاجيو الكثير من المعجبين بعد فترة طويلة من نهاية حياته القصيرة والعنيفة.
قيل انه كان يرسم بسرعة غريبة، لدرجة انه كان ينجز لوحة خلال أسبوعين فقط. وقد ترك خمسين لوحة هي محصّلة اشتغاله بالرسم طوال ثلاثة عشر عاما فقط. وكلّ لوحاته خلفياتها قاتمة.
ولم يوقّع منها سوى لوحة واحدة هي قطع رأس يوحنّا المعمدان. وبعض أشهر لوحاته يمكن رؤيتها على العملات الورقية الايطالية القديمة.
كان كارافاجيو يختار كنماذج للوحاته الدينية أشخاصا من الناس العاديّين الذين كان يلتقيهم في الشوارع والحانات في روما مطلع القرن السابع عشر. واشتهر خاصّة باستخدامه الكثيف للضوء والظلّ أو ما يُعرف بأسلوب الكياروسكورو.
غير أن سرده الدراميّ هو الذي غيّر مسار الفنّ حقّا. كان يستطيع أن يمسك باللحظة الأساسية في أيّ قصّة. ويمكننا أن نفهم سرّ إعجاب بعض مخرجي الأفلام به مثل بازوليني ومارتن سكورسيزي الذي قال: لو عاش كارافاجيو اليوم لكان أحد أفضل صانعي الأفلام". ويمكنك أن ترى نفوذه في بعض أفلام سكورسيزي مثل "الإغواء الأخير للمسيح".

❉ ❉ ❉

❉ ❉ ❉

هناك عنصر مهمّ في فنّ كارافاجيو، وهو انه كثيرا ما كان يرسم نفسه في لوحاته. وقد رسم نفسه كـ طالوت في لوحته الموسومة داود مع رأس طالوت. كما انه يظهر في لوحته الأخرى بعنوان باخوس المريض. كان هو مريضا عندما رسم تلك اللوحة. وقد رسم وجهه المنعكس في مرآة.
في ذلك الوقت كان يعاني من الملاريا، وكان قد غادر المستشفى للتوّ. شفتاه المزرقّتان وعيناه الباهتان ونظراته الواهنة تعكس حالته الصحّية. في لوحته عشاء في ايموس (فوق)، يرسم كارافاجيو المسيح بملامح أكثر شبابا ودون لحية، بعد أن ظهر لأتباعه بعد موته، بحسب الرواية الإنجيلية.
الذين قلّدوا كارافاجيو كثيرون. وبعضهم كانوا يعرفونه جيّدا. أحدهم كان صديقه المقرّب سبادرينو، ولوحاته تشبه لوحات كارافاجيو من حيث حسّ الدراما فيها والاستخدام السينمائيّ للضوء.
لكن من بين كلّ هؤلاء المقلّدين، كان الأكثر إثارة للاهتمام هو جيوفاني باغليوني، أوّل من كتب سيرة لكارافاجيو. كان باغليوني معجبا به في البداية لدرجة انه رسم لوحة تأثّر فيها بكارافاجيو بشكل واضح، لكنه سرعان ما انقلب على بطله.
وقصّة نزاع الاثنين توفّر صورة حيّة لشخصية كارافاجيو الناريّة، تلك النار التي أشعلت لوحاته وأفسدت حياته. كان باغليوني أكثر تقليدية بكثير من كارافاجيو، وفي البداية كان أكثر نجاحا. وكان كارافاجيو يغار بشدّة من الفنّانين المتميّزين، مثل باغليوني الذي كان يعرف كيف يرضي زبائنه الأغنياء.
لذا أصبح كارافاجيو يتحدّث بالسوء عن زميله وينشر عنه الشائعات في جميع أنحاء المدينة. وقد رفع الأخير ضدّه دعوى قضائية متّهما إيّاه بالتشهير. ووقف كارافاجيو أمام المحكمة، وحاول التحايل والتملّص بطريقة أو بأخرى من التهمة.
ثم اتهمه باغليوني بالانحراف الجنسي، وهي جريمة كانت عقوبتها الإعدام، وادّعى بأن كارافاجيو حاول قتله. والذين يعرفون كارافاجيو يدركون أن هذا أمر ممكن الحدوث فعلا. وعلى إثر ذلك هرب من روما إلى نابولي، ثم إلى مالطا وصقلية. وبعد ذلك أصبح فنّه أكثر قتامة وأكثر استبطانا.
كان كارافاجيو قد صنع لنفسه اسما في روما، وهي مدينة تعجّ بالفنّانين. ولم تلبث أن حدثت مبارزة بينه وبين شخص يُدعى توماسوني، ويُرجّح أن الخلاف بينهما كان حول امرأة هي زوجة الأخير، وانتهت المبارزة بمقتل توماسوني وفوز كارافاجيو.
وقد واجه كارافاجيو موته عندما هاجمه شخص أراد أن ينتقم منه بسبب نزاع قديم. وقام ذلك الشخص بقطع وجه الرسّام بسكّين. وتوفّي بعد ذلك الهجوم بأربعة أشهر وعمره لم يتجاوز الأربعين.
وعلى مدى السنوات العشر الأخيرة من حياته، كان كارافاجيو قد أصبح مشهورا. ومثل نجوم الموسيقى المتمرّدين، تسبّبت وفاته المفاجئة في جعله أكثر شهرة من أيّ وقت مضى. وطوال نصف قرن، حاول عدد لا يُحصى من الفنّانين أن يرسموا مثله. ثم أصبحت واقعيّته الشديدة موضة قديمة واختفى ذلك النوع من الرسم.
ولعدّة قرون، اختفى اسم كارافاجيو من التداول. وفقط في بدايات القرن الماضي تذكّره الناس من جديد واستعاد سمعته. ولم يكن مستغربا أن يكتسب كارافاجيو الكثير من الأتباع، وهذا كان دليلا على موهبته الهائلة. اللوحات التي تركها وراءه في روما أعطت انطباعا عن كونه شخصا عبقريّا.
والفنّانون الأجانب الذين أتوا إلى ايطاليا اخذوا نفوذه معهم عند عودتهم إلى أوطانهم: ريبيرا إلى اسبانيا، وروبنز إلى بلاد الفلاندرز، بالإضافة إلى كلّ من فيلاسكيز ورامبرانت اللذين يدينان له بالكثير.
لم يكن لكارافاجيو محترف أو تلاميذ، وكان يزدري الرسّامين الآخرين ويهدّد بضرب بعضهم ممّن كان يعتقد أنهم يسرقونه. وكتب باغليوني يصف كارافاجيو بأنه "رجل ساخر وفخور بنفسه، وكان يتحدّث باحتقار عن رسّامي الماضي والحاضر بغضّ النظر عن مدى تميّزهم، لأنه كان يعتقد أنه وحده الذي استطاع تجاوزهم جميعا".
كان كارافاجيو محقّا في كلامه، إذ لا أحد من الرسّامين كان مثله أو يشبهه. هناك منهم من رسموا أشياء مثيرة للاهتمام، لكنهم جميعا يبدون على حال من الضآلة إذا ما وُضعوا إلى جواره.

Credits
archive.org

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مخطوطات قرآنية نادرة

اللوحات العشر الأكثر ترويعاً وعُنفاً

أساطير قديمة: العنقاء