المشاركات

كورو: الانطباعية في طورها الأوّل

صورة
"كلّ شيء يبدو باهتا بينما الطبيعة تقاوم النعاس. الهواء المسائي العليل يتأوّه بين أوراق الشجر والطيور والأزهار تؤدي صلاتها الأخيرة قبل هبوط الظلام". - جان باتيست كميل كورو من المدهش أن نقرأ كثيرا من كلمات المديح عن كميل كورو من قبل جيل الرسّامين الذين بلغوا بالكاد مرحلة النضج عند وفاته. والغريب أن هؤلاء، وعلى رأسهم كلود مونيه وديلاكروا، كانوا يوقّرون كورو كثيرا رغم انه كان يتظاهر بأنه بعيد عن التطوّرات الفنّية التي حدثت بالقرب من نهاية حياته ومن بينها أعمال مونيه وزملائه الانطباعيين. أسلوب كورو في الرسم لا تخطئه العين. وبإمكانك أن تتعرّف بسرعة على طبيعته "الريشية" من قرى بلّلورية وأنهار وبحيرات موشّاة بالضباب والتي كانت تناسب ذوق الطبقة الفرنسية الوسطى في أواخر القرن التاسع عشر. إن مفهوم الحداثة الذي تبنّاه مونيه، ومناظر الحياة الحضرية التي تخصّص فيها ادغار ديغا، والتجريب المتواصل الذي ميّز هذين الفنانين وغيرهما، كلّ هذا كان يبدو متناقضا مع رؤية كورو التأمّلية عن "أركاديا" مثالية وخالدة. وعند القراءة أكثر، يتعلّم المرء انه في نهاية عشرينات القرن الما...

درس من الحياة

صورة
القويّ يفترس الضعيف. هذا ما تقوله اللوحة فوق. السمك القويّ يأكل السمك الضعيف. والإنسان بدوره يأكل السمك كبيره وصغيره. القاعدة نفسها تنطبق على دنيا البشر. أحيانا، أتصوّر أن السبب الأول في تعاسة البشر يمكن تلخيصه في كلمة واحدة: الأنانية. حبّ الامتلاك والتطلّع إلى ما بأيدي الآخرين ومحاولة انتزاعه دون وجه حقّ هي من الأمور التي تتسبّب في الفقر وتجلب البؤس والتعاسة وتزرع الحقد في النفوس وتغذّي الصراعات بين بني الإنسان. ولو تمعّنت في تفاصيل المشهد الذي تصوّره اللوحة ستكتشف أن الجميع آكل ومأكول وقاتل ومقتول. رائحة السمك تكاد تشمّها في الجوّ. ولفرط الصراع والانهماك في الفتك والذبح والافتراس يتحوّل الرجل إلى اليسار إلى ما يشبه السمكة. اليوم قرأت في أخبار الياهو قصّة لا يبتعد موضوعها كثيرا عن مضمون اللوحة. وجدير بكلّ منشغل بجمع المال، سواءً بالحلال أو الحرام، أن يتأمّل الدرس البليغ الذي يقدّمه المواطن البريطاني كارل رابيدر. كارل كان قبل سنوات إنسانا فقيرا ومعدما. وبعد كفاح طويل، استطاع أن يجمع ثروة تقدّر بأكثر من ثلاثة ملايين جنيه استرليني. لكنه اكتشف أن المال لم يجلب له السعادة التي كان يتمنّاها...

جدلية العلاقة بين الرسم والموسيقى

صورة
الهارموني "أو التناغم" والريثم "أو الإيقاع" هما مصطلحان موسيقيّان في الأساس. لكننا نستخدمهما عادةً عند الحديث عن خصائص لوحة ما أو عمل تشكيلي معيّن. هذا الاستهلال قد يكون أفضل دليل يوضّح ما بين الرسم والموسيقى من أواصر قربى. الناقد جيم لين يفصّل ذلك بقوله: العلاقة بين الرسم والموسيقى والنحت والأدب والشعر وثيقة بل وقديمة جدّا. إذ يمكن القول، مثلا، أن أيّ عمل نحتي ما هو في الواقع سوى لوحة ثلاثية الأبعاد. وهناك أمثلة كثيرة عن نحّاتين رسموا تماثيلهم ورسّامين نحتوا لوحاتهم. وكثيرا ما يقارَن الأدب، والشعر خاصّة، بالرسم من حيث أن الرسم له خصائص غنائية. واللوحات التي تصوّر الحياة اليومية غالبا ما يكون لها طبيعة سردية. وأحيانا يلجأ الكثير من كتّاب القصص إلى الاستعانة برسومات توضيحية من اجل تعزيز العنصر السردي في أعمالهم. الرقص والدراما، وحتى المعمار، لها نظيراتها في الرسم. وكثيرا ما يرتبط الرسم بذلك النوع من الملاحم والقصص التي تتحدّث عن الأبطال الشعبيّين. لكن لا توجد علاقة أقوى من تلك التي تربط الرسم بالموسيقى. وهي علاقة تعود إلى عصور قديمة. زخرفة الخزف اليونان...

دايانا و آكتيون: النظرة المحرّمة

صورة
اشترى الناشيونال غاليري في لندن مؤخّرا لوحة الرسّام الإيطالي تيزيانو "أو تيشيان" دايانا وآكتيون من دوق ساذرلاند بمبلغ خمسين مليون جنيه إسترليني. تمّت الصفقة بعد مساومات طويلة وجدل كثير. المبلغ كبير ولا شكّ. لكن قيل ان اللوحة تستحق. ترى، ما الذي يجعل من هذه اللوحة عملا فنّيا خاصّا ومتميّزا؟ ❉ ❉ ❉ المكان مغارة في غابة داكنة وكثيفة الأشجار. خلف الغابة سماء ساطعة زرقاء وغائمة. في المغارة، هناك نافورة صغيرة وجدول ماء تستحمّ فيه إلهة الصيد دايانا برفقة وصيفاتها اللاتي يسلّين أنفسهن. الوصيفات مهتمّات بالإلهة وإحداهنّ تنشّف إحدى قدميها بقطعة قماش عند طرف النافورة. ووسط هذا المشهد الحميم، يندفع آكتيون الصيّاد، يزيح بيده الستارة ويَراهُنّ وهنّ على تلك الحال. خطيئة رهيبة أن يرى رجل إلهة متجرّدة ناهيك عن أن تكون دايانا نفسها، الصارمة العفيفة. تيزيانو يمسك باللحظة الكارثية في قصّة دايانا وآكتيون التي رسمها بناءً على تكليف من فيليب الثاني ملك اسبانيا في عام 1550، واعتمد في تفاصيلها على ما ذكره اوفيد في كتاب "التحوّلات". كان الرسّام يعتبر هذا العمل قصيدة بصرية ون...

مكان الإنسان في المنظر الطبيعي

صورة
ما هو دور الإنسان في المنظر الطبيعي؟ غينسبورو لم يكن يساوره شكّ في أن وظيفة الإنسان هي أن يملأ الفراغ في المنظر أو أن ينشئ عملا بسيطا يمكن أن يصرف انتباه العين عن الأشجار للحظات قبل أن تعود للتركيز عليها مجدّدا. أي أن وجود الشخص في المنظر الطبيعي هو وجود إضافي أو كمالي وليس أساسيّا. لوحات المناظر الطبيعية هي موضوع بيئي، لأنها تصوّر العلاقة بين الطبيعة والبشر، بين الأرض وساكنيها. وبعض الرسّامين طبّقوا شعار وليام بليك الذي يقول: حيث لا يوجد إنسان، تصبح الطبيعة قاحلة". وبالنسبة لهم، فإن العالم الأخضر ليس سوى مكان أو خلفية تجري عليها القصص والأحداث الإنسانية. لكنْ بالنسبة لآخرين مثل غينسبورو فإن العكس هو الصحيح. فالأشجار هي العنصر الأهمّ. أما العنصر الإنساني فليس سوى علامة أو رقم لا وظيفة له سوى سدّ أو ملء الفراغ في اللوحة. لكنّ هناك نوعا من المناظر الطبيعية التي تكون فيها علاقة الإنسان بالطبيعة أشدّ تعقيدا وأكثر دراماتيكية. تأمّل، مثلا، هذه اللوحة للرسّام الفرنسي كلود لورين. عُرف هذا الفنّان بمناظره المتوهّجة ذات الألوان الزرقاء والبنيّة والخضراء والتي تثير شعورا بالسكينة ...

نساء خطِرات

صورة
في الكتب الدينية القديمة، يرد ذكر امرأتين هما جوديث وسالومي كانتا موضوعين مهمّين في لوحات رسّامي القرنين السادس عشر والسابع عشر. اقتران سيرة حياة هاتين المرأتين بالقصص المخيفة عن قطع رؤوس رجال أقوياء جعل منهما ما يشبه الأسطورة التي فتنت أجيالا متعدّدة من الأدباء والفنّانين. وعندما يفكّر المرء في النساء الخطيرات يتذكّر سوزانا وحتى مريم المجدلية وزوجة الفرعون. والقائمة يمكن أن تطول أكثر من ذلك. وما يثير الانتباه بشكل خاصّ هو وجود أوجه شبه مهمّة بين شخصيّتي سالومي وجوديث. جوديث، مثلا، هي بطلة من العهد القديم قامت بإغراء هولوفيرنس الذي كان جنرالا عُرف باضطهاده لليهود. وتذكر القصّة أن المرأة تسلّلت إلى معسكر الجنرال واستطاعت أن تسيطر على مشاعره وتأسر قلبه. وفي إحدى الليالي أكثرت له الشراب إلى أن فقد وعيه، ثم قامت بقطع رأسه ولفّته في قطعة قماش وحملته بصحبة خادمتها إلى قومها. من جهة أخرى، سالومي هي شخصيّة من العهد الجديد، وقد رقصت لزوج أمّها الملك الآشوري هيرود الذي وقع تحت تأثير جمالها. وتحت إلحاح أمّها طالبت برأس يوحنا المعمدان كمكافأة. وفي تفاصيل هذه القصّة أن هيرود كان قد قام بسجن...

قصص ما قبل النوم

صورة
بعض الأعمال الموسيقية العظيمة لا تحتاج سوى إلى ومضات سريعة من الإلهام والخيال حتى تتجسّد وتكتمل. وشهرزاد هي مثال على هذا. فقد كتبها نيكولاي ريمسكي كورساكوف في فترة لا تربو على الثلاثة أشهر. ومع ذلك انتشرت بسرعة واشتهرت على نطاق واسع وأصبحت اليوم من بين أفضل الأعمال الكلاسيكية التي تُعزف بانتظام. وقد اعتمد كورساكوف في تأليفها على حكايات ألف ليلة وليلة. وكلّ مقطع في شهرزاد يعبّر عن صورة ما أو عن مزاج معيّن في تلك الحكايات. وقد اختار الموسيقيّ أن يطلق على كلّ حركة من الحركات الأربع عنوانا وصفيا خاّصا به. فالحركة الأولى اسمها البحر وسفينة السندباد. والحركة الثانية تصوّر حكاية الأمير كالندار الذي يتخفّى في الحكاية بقناع ساحر أو مهرّج. والحركة الثالثة تصوّر قصّة الحبّ بين الأميرة بدور والأمير قمر الزمان. والحركة الرابعة تصوّر سلسلة مشاهد تبدأ بالمهرجان في بغداد ثمّ مشهد البحر فتحطّم السفينة. على أن أهمّ سمة في هذا العمل الموسيقي الجميل هي صوت الكمان المنفرد الذي يُسمع في كافّة أجزائه. أنغام الكمان السائلة في شهرزاد تولّد إحساسا رومانسيا عميقا تتخلّله بين وقت وآخر لحظات تأمّل وحزن وشجن...