المشاركات

قراءات في أدب وسينما الرعب

صورة
شاهدت مؤخّرا أكثر من ترجمة سينمائية لرواية برام ستوكر "دراكيولا". وتذكّرت ما قاله لي صديق من قبل من انه قرأ الرواية بشغف وانه اكتشف أن بعض تفاصيلها، وإن كانت مخيفة بعض الشيء، إلا أنها لم تكن مرعبة بالشكل الذي تصوّره المعالجات السينمائية التي تناولت الرواية المشهورة. ومنذ أيّام استمتعت بقراءة بعض الكتابات التي تتحدّث عن الموتيفات والأفكار التي تظهر بشكل متواتر في أدب وسينما الرعب. مثلا، هل خطر ببالك أن تساءلت من قبل عن الوظائف الدرامية والمدلولات السيكولوجية التي يؤدّيها ظهور البوم والمرايا والضباب والقلاع والحصون القديمة والقمر المكتمل والضباب والماء والكلاب وغيرها من الصور في أدب وسينما الرعب؟ الحديث في هذا الموضوع ممتع وذو شجون. كما انه يثير بعض التفكير والتأمّل. الضباب: يلعب الضباب دورا مهمّا في هذا النوع من الروايات والأفلام. وظيفة الضباب في الأساس أنه يخفي الأسرار التي قد لا يكون مسموحا لنا بمعرفتها. وبعض الحضارات القديمة كانت تؤمن بأن "أمّنا الطبيعة" يمكن أن تستخدم الضباب كي تبعدنا عن أشياء معيّنة لا ينبغي لنا أن نعرفها أو ندركها. وهناك العديد من أفلام ...

بيرنيني: عندما ينطق الحجَر

صورة
منذ بضع سنوات، وفي ظهيرة يوم قائظ من أيّام روما، جاءت ثلاث راهبات إلى كنيسة ديلا سانتا ماريا فيتوريا المظلمة. وكنت جالسا في إحدى المقصورات المواجهة أفكّر بانتشاء في ما كنت أراه. ومن وقت لآخر، كانت قطع عملات معدنية توضع داخل خانة الدفع مقابل الإنارة. وعندما أتى الضوء، ظهر اغرب منظر فنّي يمكن للمرء أن يراه. رأس القدّيسة مائل إلى الخلف. فمها، الشفة العلوية مشدودة إلى الوراء، العينان نصف مغلقتين، والكتفان مشدودان إلى الأمام في حالة نكوص وشغف. وإلى جانبها، يقف ملاك صغير يكشف عن صدرها برفق وهو يبتسم قبل أن يمرّر سهمه إلى قلبها. بقيت الراهبات لمدّة عشر دقائق، ساكنات ومتذلّلات، قبل أن يغادرن. وجلست الراهبة الثالثة في مقصورة أخرى وهي تخفض رأسها في صلاة طويلة. ومن وقت لآخر كنت استرق النظر باتجاهها وأنا أحاول التفكير فيمَ عساها تفكّر وكيف تشعر. تمثال بيرنيني عبارة عن مشهد يقع على الحدّ الفاصل بين الغموض المقدّس والصورة الفاحشة. وقد سعى الخبراء طويلا كي يقنعونا بأن ما نراه قد لا يكون لحظة من لحظات الاستسلام الحسّي. ويصرّ المفسّرون على أن لا علاقة للمنظر بالتاريخ على الإطلاق. وبناءً علي...

كرسيّ

صورة
"أريد أن ازرع فيك ولو جزءا بسيطا من إيماني الكبير بأننا سننجح في أن نبتكر شيئا يمكن له أن يدوم ويستمرّ". كتب فان غوخ هذه الكلمات إلى صديقه غوغان قبل ثلاثة أسابيع من انتقال الاثنين للعيش معا في المنزل الأصفر في آرل. في لوحتَي فان غوخ المشهورتين والتي رسم في كلّ منهما كرسيّا، نرى بوضوح رؤيته عن نفسه وعن صديقه غوغان كما تعكسها قطعة من القماش رسم عليها أثاثا ساكنا. وقد رسم كرسيّه مواجها اليمين، بينما رسم كرسيّ غوغان مواجها اليسار. وبالتالي، عندما توضع هاتان اللوحتان معا فإنهما تُحدثان تأثيرا متناغما. وبرؤية كلا الكرسيين معا، نستطيع أن نتبيّن بوضوح ما الذي كان يقصده فان غوخ عندما رسمهما. صحيح أن الاثنين يُعتبران اليوم رسّامَين مشهورين. إلا أنهما اكتشفا فرقا هائلا في طريقة تعامل كلّ منهما مع الرسم. النقاشات الساخنة التي كانت تجري بينهما ترسم صورة لشخصين يائسين لم يجدا أبدا أرضية للتفاهم والوئام. وكان ذلك يثير فيهما التعب والإحساس بالمرارة. ومع ذلك كانت خلافاتهما ومشاكلهما الصاخبة تتلاشى أحيانا لتظهر الرابطة الروحية الكامنة بينهما. وفي احد الأوقات، بدا أن النار التي كانت تشتعل بالقر...

رحلة على طريق الحرير

صورة
هناك من العبارات ما يستدعي للذهن عوالم كاملة من صور ورحلات وذكريات، سواءً كانت حقيقية أو متخيّلة. وطريق الحرير هو إحدى هذه العبارات. مجرّد ذكر اسمه يستحضر مناظر لقوافل تمرّ عبر صحارٍ وواحات خالدة، وجِمالٍ محمّلة بنفائس الحرير، ورجالٍ تشعّ أعينهم بالبريق، يرتدون العمائم ويحملون الياقوت واللآليء والتمور والزعفران والفستق من بلاد فارس، والزجاج من مصر، والصِبر وخشب الصندل وشتّى أنواع العطور من الجزيرة العربية. طريق الحرير، أيضا، ما أن يُذكر اسمه حتى تتوارد إلى الذهن إيحاءات وأفكار عن التسامح وامتزاج الحضارات. أصبحت هاتان المفردتان نوعا من مصطلحات العصر الجديد وباتت دلالتهما تخترق كلّ شيء، من الموسيقى العالمية إلى كتب الطبخ النباتي. صورتنا الذهنية عن طريق الحرير قد تكون تشكّلت، إلى حدّ كبير، من خلال مكتشفين جغرافيين من أمثال اوريل ستين وسفن هيدين اللذين أعادا اكتشاف كنوز المنطقة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. تلك القصص المثيرة ألهمت فيما بعد سلسلة المغامرات التي يقوم ببطولتها علماء آثار أسطوريون من قبيل ما عرضه فيلم انديانا جونز لـ ستيفن سبيلبيرغ. الرومانسية...

الصين الجميلة

صورة
هناك الكثير من الأشياء التي تتبادر إلى الذهن عندما يرد ذكر اسم بيجين عاصمة الصين: المدينة المحرّمة، تجديد المراكز الحضرية، كثافة حركة المرور وارتفاع نسبة التلوّث. وعلى الأرجح لن يكون الفنّ الحديث احد تلك الأشياء. لكن على الرغم من ذلك، فإن بيجين تشهد الآن حركة فنون نشطة ومزدهرة. كما أنها أصبحت مركزا كبيرا للفنّ الطليعي، بالإضافة لاحتضانها العديد من الورش والغاليريهات الفنّية. مشهد الفنّ الصيني المعاصر تطوّر بسرعة خلال العشر سنوات الماضية. وكان لحرّية السوق وتوظيف التكنولوجيا الحديثة وازدياد هامش حرّية التعبير دور مهم في ازدهار الفنّ في البلاد. وفي السنوات الأخيرة أصبح الفنّ الصيني المعاصر يحظى بشعبية واسعة في الغرب. في الصين نفسها اشتهر اسم ضاحية داشانزي شرق العاصمة بكونها منطقة جذب للفنّانين والتجّار وأصبحت مكانا مزدحما يعجّ، ليس بالفنّ فقط، وإنما بالمقاهي العصرية ومتاجر التحف القديمة والملاهي الليلية الغريبة.     وداشانزي تواجه اليوم آلام النموّ ومشاكل البحث عن هويّة، شأنها شأن مناطق مماثلة من العالم. وهناك الآن من ينتقد المنطقة لأنها استسلمت لاستشراء النزعة التجاري...

نافذة على عالم بول كْلِي

صورة
تمتلئ لوحات بول كْلي بالرموز الخفيّة التي قد تبدو للوهلة الأولى معقّدة أو خالية من أيّ معنى. لكن عندما نقترب من تلك الرموز محاولين تفسيرها في سياق الأسلوب الذي كان الفنّان يستخدمه في لوحاته، فإن فهم فنّه يصبح مهمّة سهلة وبسيطة. جينيفر شيبون تتحدّث في المقال المترجم التالي عن الزمن والأسماك والمربّعات السحرية في فنّ الرسّام السويسري المشهور. لكي نفهم لوحات بول كْلِي والمعاني والرموز الكامنة في صوره، علينا أوّلا أن نعرف شيئا عن حياته وشخصيّته. كان كْلِي رسّاما تعبيريا سويسريا عاش من عام 1879 إلى عام 1941م. وقد نشأ في كنف عائلة تهتمّ بالموسيقى وكان يعزف الكمان في شبابه. في الجامعة لقي كْلِي صعوبة في الاختيار بين أن يتخصّص في الموسيقى أو الفنّ. لكنّه في النهاية قرّر أن يختار الفنّ. ولهذا السبب كان يميل إلى وصف لوحاته بتعابير ومفردات موسيقية. كما كان، بوعي، يرسم لوحاته بطريقة تثير شعورا بالأنغام والإيقاعات الموسيقية. وقد مات بول كْلِي في عام 1940، أي عند بداية الحرب العالمية الثانية متأثّرا بمضاعفات إصابته بمرض تيبّس الجلد الذي عانى منه طويلا وشوّه ملامحه وشلّ أطرافه. وفنّه يحتوي على ...