خواطر في الأدب والفن


  • في الكثير من الأحيان، نشغل أنفسنا بالتفكير في الأشياء التي تنقصنا في هذه الحياة. وفي غمرة لهاثنا اليوميّ لتأمين المستقبل، يفوتنا أن نتوقّف ونفكّر في الأشياء الثمينة التي بحوزتنا فعلا والتي تستحقّ أن نتذكّرها ونشكر الله عليها ونقدّرها حقّ قدرها.
    تذكّر، مثلا، أنك ما تزال على قيد الحياة وأنك أمضيت يومك دون مشاكل أو منغّصات. وتذكّر أنك حتى هذه اللحظة تمكّنت من أن تقطع شوطا بعيدا من حياتك دون أن تعاني من مرض خطير أو تمرّ بظرف تحسّ معه باليأس أو العجز.
    وتذكّر أنك تمكّنت من تعلّم الكثير من الأشياء المفيدة والنافعة على مرّ السنوات التي انقضت من عمرك. وتذكّر أن ثمانين بالمائة من أعضاء جسمك ما تزال تعمل وتؤدّي وظائفها بكفاءة تقريبا، منذ اليوم الذي ولدت فيه وحتى هذه اللحظة.
    وتذكّر أنك ما تزال قادرا على أن تحصل على ماء نظيف وطعام جيّد ومأوى آمن، بينما العالم من حولك يعاني من المجاعات والحروب وندرة الموارد. وتذكّر أن كلّ إنسان، بلا استثناء، ارتكب العديد من الحماقات والأخطاء، ربّما أكثر بكثير ممّا ارتكبته أنت.
    وتذكّر أن العديد من الناس الذين تحبّهم ويحبّونك ما زالوا على قيد الحياة وأنهم يفهمونك حقّا ويتعاطفون معك ويؤازرونك. وتذكّر أن هناك أشخاصا كثيرين في هذا العالم يتألّمون ويعانون بأكثر ممّا تعاني وتتألّم، ويتمنّون بل ويحلمون بأن يكون لهم نفس ظروفك وإمكانياتك.
    وتذكّر أن الإنسان الحكيم هو الذي لا يندم على الأشياء التي لم يحصل عليها، بل الذي يبتهج ويفرح بالأشياء التي لديه. وتذكّر أن الأشياء الايجابية التي تعتبرها مسلّمات في حياتك هي أوّل الأشياء التي تستحقّ أن تشكر الله عليها وتدعوه لأن يديمها عليك.
    وتذكّر أن جميع الناس من حولك هم غريبو الأطوار بقدر أو بآخر، لكنك لا تلاحظ ذلك لأنك غير مطّلع على بواطن أمورهم ودواخل أنفسهم.
    وتذكّر أن لديك نعمة عظيمة تتمثّل في الجلال الصامت للسماء الليلية، والتي تستحقّ أن تمنحها بعضا من وقتك لتتأمّلها وتقدّر من خلالها عظيم صنع الخالق وضآلة الإنسان في هذا الكون الواسع. وتذكّر أنك إنسان طبيعيّ نسبةً لعدد الأشياء الغبيّة أو غير المدروسة التي فعلتها، ثم حاول من الآن فصاعدا ألا تقسو على نفسك وألا تأخذها بجدّية أكثر من اللازم.
    وتذكّر أن هناك العديد من الأشخاص الرائعين الذين يمكن أن تستمتع بالنظر إليهم والإصغاء إلى كلامهم والاستئناس بآرائهم وتجاربهم القيّمة في الحياة. وتذكّر أن أعظم وأنبل الأفكار في هذا العالم موجودة بين ثنايا الكتب، وهي في متناول يدك كي تقرأها وتستفيد منها فيما تبقّى من حياتك.
    وتذكّر، إن كنت قد بلغت الأربعين أو ما بعدها، أن لا شيء فعلته أو فكّرت به عندما كنت في العشرين من عمرك يبدو مهمّا الآن. لذا لا تندم على الماضي بل داوم على النظر للمستقبل بتفاؤل وأمل.
    وتذكّر انه في منتصف الليل وفي الصباح الباكر يصبح العالم بأسره ملكك لوحدك، لا يشاركك فيه أحد.
    وتذكّر انه لولا والديك، بعد الله، لما جئت إلى هذه الحياة، وأنهما مستمرّان في حبّهما لك حتى لو كنت قد تجاهلتهما أو لم توفّهما حقّهما في بعض الأحيان. وتذكّر أن تشكر الله دائما على أنك لا تعلم على وجه اليقين ما الذي سيحدث لك بعد ساعة، بل بعد دقيقة أو ثانية من الآن.
    وأخيرا، تذكّر أن الله منحك اليوم 86 ألف ثانية، ويتوجّب عليك أن تستغلّ بعضها كي تقول له شكرا.
  • ❉ ❉ ❉

    ❉ ❉ ❉

  • في زمن الفنّان لورينزو لوتو، كانت ڤينيسيا العاصمة المزدهرة لامبراطورية لعبت دورا مسيطرا في شرق البحر المتوسّط. كما كانت مركزا عالميا وثقافيّا جاذبا للفنّانين والعلماء والدبلوماسيين والتجّار من كلّ مكان.
    كان هذا هو المناخ الذي استوعبه لوتو في سنوات تكوينه الأولى. وقد تعرّف في ڤينيسيا على الطلاء الشفّاف والإمكانات اللانهائية لتقنية الرسم بالزيت، بالإضافة الى استخدام الألوان التي كانت من تخصّص المدرسة الڤينيسية.
    وعلى الرغم من موهبته الاستثنائية، إلا أن لوتو شعر أن لا مكان له في مسقط رأسه. فقد كان يعامل كمنبوذ اجتماعيّا، وانتهى به الأمر بالسفر باستمرار في جميع أنحاء إيطاليا، حيث قضى معظم حياته في مناطق مهمّشة، لكنه كان يعود إلى موطنه الأوّل بشكل منتظم.
    وخلال مسيرته الفنيّة، ركّز بشكل أساسي على لوحات مذابح الكنائس والصور الشخصية. كما ساهم بشكل فعّال في تطوير رسم البورتريه وبلغ فيه أعلى المستويات.
    وفيما بعد، أصبح له اسهام كبير في رسم السجّاد الشرقي وتضمينه في لوحاته. وقد أدّت التجارة المزدهرة بين ڤينيسيا والشرق إلى ولادة جماليات مختلفة طوّرت أذواقا ورغبات جديدة. وكان السجّاد التركي من بين السلع الفاخرة التي كان الطلب عليها كبيرا خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر. وكان يُعرض معلّقا من النوافذ والشرفات خلال المناسبات العامّة والاحتفالات الرفيعة المستوى، وصار رمزا للمكانة العليا من قبل النخبة.
    وقد تمكّن لوتو من كسب ثقة التجّار الأثرياء وتعلّم كيفية رسمهم في أوضاع غير عاديّة. ومن بين العناصر التي تجعل صوره بعيدة كلّ البعد عن رسم البورتريه الذي كان شائعا آنذاك في إيطاليا الحركة والخطوط والأشياء المحدّدة والإيماءات المعبّرة والعناصر السيكولوجية القويّة.
    وخلال إقامته الأخيرة في ڤينيسيا، نزل لوتو ضيفا على جيوڤاني ديلا ڤولتا الذي كان تاجرا ثريّا، وربّما رسم له ولعائلته البورتريه الذي فوق مقابل اعفائه من دفع الإيجار. وفيه، تجتمع عائلة ديلا ڤولتا المكوّنة من الأم والأب وطفلين حول المائدة.
    الأم تقدّم ثمار الكرز لابنتها، بينما يعطيه الأب لابنه الصغير. والوالدان يحميان طفليهما بثقة من خلال إيماءاتهما، في مساحة حميمة يعزّزها وجود السجّادة الشرقية ذات الألوان الدافئة التي تغطّي الطاولة. وخلف السجّادة الناعمة هناك نافذة مفتوحة تطلّ على منظر ساحلي بارد تعلوه سحب مبشّرة بالمطر.
    لكن في البورتريه لا تظهر الشخصيات العاطفية القويّة الموجودة في صور لوتو السابقة. كما انه لا يمنح شخصياته حميمية واضحة. ويبدو أنه كان يعكس بطريقة ما مزاج الحزن الغامض الذي طبع المرحلة الأخيرة من حياته.
    كانت فكرة الموت تطارد لوتو لفترة من الزمن. وفي وصيّته التي كتبها قبل بضعة أشهر من وفاته، ولأنه لم يكن له ورثة معروفون، فقد منح فرشاته وألوانه والأشياء القليلة الموجودة في مرسمه لاثنين من الرسّامين الشباب. وكانت تلك هي كلّ ممتلكات واحد من أكثر الفنّانين موهبةً في القرن السادس عشر.
    وفي أواخر حياته المتنقّلة، وبعد أن شعر بالتعب وخيبة الأمل بسبب الاستقبال البارد الذي قوبل به أثناء إقامته الأخيرة في ڤينيسيا، قرّر لوتو التقاعد في لوريتو حيث عاش كراهب في إحدى الكنائس لبضع سنوات حتى وفاته. وقد ذكره جورجيو ڤاساري في كتابه الشهير "حياة الفنّانين" فقال عنه: في تلك السنوات الأخيرة من حياته، شعر لوتو بسعادة بالغة وراحة بال، كما بدا طامعا في ثروات الحياة الأبدية".
    كانت مهارات لوتو الفنّية غير العادية سبباً في وضعه كواحد من عباقرة عصره، مثل بيليني وجورجيوني وتيزيانو وڤيرونيزي، على الرغم من أنه ظلّ طيلة حياته بعيداً عن التيّار السائد. كان روحاً متعبة وقد أسهمت حساسيته وذوقه الرفيع في إضفاء حياة وعمق جديدين على فنّ الرسم في زمانه.

  • Credits
    archive.org
    bodyandsoul.com

    المشاركات الشائعة من هذه المدونة

    أبو بكر سالم: صورة الفنّان

    الأزرق: تاريخ لون

    لقاء بين امرأة وطائر 1 من 2