المشاركات

عصر تولستوي وتشايكوفسكي

صورة
يزخر الرسم الروسي بالعديد من بورتريهات الكتّاب والموسيقيين والممثّلين ورعاة الفنّ في روسيا. وبعض تلك البورتريهات يعود تاريخها إلى زمن آخر القياصرة، ثمّ الثورة والعهود التي تلتها. أحد الكتّاب تأمّلَ في صور هذه الشخصيات الروسية واكتشف انه يندر أن ترى واحدا منها وهو يبتسم. ربّما كان هناك اعتقاد شائع بأن البورتريه مثل الحديث المتوتّر بين الرسّام وجليسه، يمكن أن يقرّبنا من الموضوع أكثر ممّا تفعله الصور الفوتوغرافية الحديثة. وهذا أحيانا صحيح. في البورتريه الذي رسمه فاسيلي بيروف لدستويفسكي نقف وجها لوجه مع الروائيّ الكبير. وهو في الصورة يبدو في حالة انحناء ويرتدي جاكيتا بنّيّ اللون، نظراته منسحبة وبعيدة، بينما أصابعه متشابكة. الضوء يلمع على جبينه الفتيّ. وعلى شعره ولحيته ونظراته المتحفّظة ثمّة إحساس بالإنهاك وتركيز داخليّ مثير للاهتمام. كان دستويفسكي في ذلك الوقت ما يزال يعيش ذكريات اعتقاله المريرة قبل ثلاثين عاما عندما كان في الثامنة والعشرين من عمره على خلفية انتسابه لجماعة بتراشيفسكي الراديكالية. وقد سيق إلى معسكرات العمل الشاقّ في سيبيريا واُجبر على الخدمة في الجيش، وهو ما أ...

لوحات الفانيتا

صورة
"فانيتا" كلمة لاتينية تعني الفراغ أو الخواء، لكنّها أيضا تشير إلى معنى التشاوف أو الخيلاء والتفاخر الأجوف بالمال أو السلطة أو الجمال والزينة. ولو بحثنا عن كلمة بالعربية تعطي نفس الدلالة لما وجدنا أفضل من العبارة التي تقول: ما الدنيا إلا متاع الغرور". والفانيتا أيضا هي نوع من لوحات الطبيعة الساكنة يريد رسّاموها أن يذكّرونا من خلالها بقِصَر الحياة وبعبثية المتع الدنيوية وبحتمية الموت. وفي هذا النوع من اللوحات، نجد غالبا جماجم ترمز للموت، بالإضافة إلى رموز أخرى مثل الفواكه المتعفّنة والأزهار الذاوية التي ترمز للتحلّل، والشموع المطفأة والدخان والساعات والأدوات الموسيقية والساعات الرملية وغيرها من أدوات قياس الزمن. كما يمكن أن تتضمّن هذه اللوحات كتباً، سواءً كانت مكدّسة فوق بعضها البعض أو مفتوحة على صفحة بعينها، وموادّ من الكريستال والفضّة وتماثيل صغيرة وآنيات زهور وعملات معدنية وقلائد وخواتم من اللؤلؤ تنبثق من صناديق مزخرفة. وكلّ هذه الأشياء ترمز لقصَر الحياة وفجائية الموت. وقد اعتاد الناس في أوربّا خاصّة، ومنذ زمن طويل، على أن يستحسنوا هذه اللوحات ويقتنوها ل...

عن الفنّ والإبداع/2

صورة
يبدو أننا عندما نتحدّث عن "رسّامين عظام"، فنحن في الغالب نقصد الرسّامين الذين نحبّهم أو الذين نعتبرهم نحن "عظماء". وحتى الآن، لا توجد أداة محدّدة لقياس جدارة فنّان من عدمه، لأنه ليست هنالك معايير واضحة لذلك. لماذا مثلا لا يُعتبر جون ووترهاوس أو لورانس الما تاديما أو جون سارجنت أو ويليام بوغرو أو جان اوغست آنغر من الرسّامين العظماء المعترف بهم، تماما مثل فان غوخ ومونيه وبيكاسو؟ بالمناسبة وعلى سيرة آنغر، بعض النقّاد اليوم يعتبرون لوحاته مصطنعة وباردة. ومن الملاحظ أن لا احد من شخوصه حرّ، فالجميع مكبّلون بقوانين الطبيعة وبالقدَر، وكأنهم لا يستطيعون الهرب. ومع ذلك ففي لوحاته تلك الجاذبية المتجمّدة. كان آنغر يريد أن يصبح رسّام تاريخ، يرسم مثل تلك اللوحات الفخمة المليئة بالشخوص التي رسمها مثله الأعلى رافائيل. وبسبب كلّ الواقعية والإيهام في فنّه، تبدو لوحاته اصطناعية وتجريدية. ولذا لم يكن مدهشا أن يُعجَب به بيكاسو وديغا ودي كوننغ وغيرهم من الرسّامين الحداثيين. وبالرغم من هذا، لا نسمع باسمه هذه الأيّام إلا بالكاد. النقّاد أيضا يتّفقون على انه من الأمو...

عن الفنّ والإبداع

صورة
بعض الابتكارات لها قدرة غريبة، ليس فقط على إعادة تعريف الواقع، وإنّما أحيانا على تغييره جذريّا. والتكعيبية، مثلها مثل نظرية داروين ومصباح إديسون وآيفون أبل، كانت فكرة استطاعت أن تتجاوز كلّ شيء قبلها وتحيله إلى التقادم. رسم بابلو بيكاسو لوحته المشهورة آنسات أفينيون وعمره لا يتعدّى الخامسة والعشرين وعمل عليها لمدّة عام. وعندما عرضها على بعض زملائه قالوا: هذه كارثة! وقال آخرون: إن من رسمها لا بدّ أن يكون شخصا يفكّر في الانتحار! وقال فريق ثالث: هذه لوحة قبيحة وفوضوية ومزعجة، فهي تنتهك جميع قوانين المنظور والتجسيد. كما أنّها انحراف واضح عن كلّ قواعد الجمال التي كانت سائدة قبل ذلك لأكثر من خمسة قرون. لكن لا أحد توقّع أن تصبح اللوحة أحد أكثر الأعمال الفنّية تأثيرا في القرن العشرين. كانت أوّل عمل تكعيبيّ، وأصبحت محفّزا لثورة في الفنّ وفي الثقافة الغربية. وخلال بضع سنوات، أصبحت التكعيبية الحركة الفنّية المهيمنة في أوربّا، وصار الرسّامون التكعيبيون يبيعون أعمالهم بأسعار خيالية. بيكاسو نفسه لم يلبث أن أصبح بعد ذلك الرسّام الأشهر في العالم وصار اسمه مقترنا بالإبداع والعبقرية. وقد رسم أ...

الأخضر في الفنّ والحياة

صورة
الألوان تشبه الممالك والامبراطوريات القديمة: لها عمر محدّد، وأوقات صعود وهبوط، تتألّق حظوظها لبعض الوقت ثم لا تلبث أن تأفل وتنحسر. وإذا كان هناك اليوم لون يسمو فوق الحدود والعولمة فهو اللون الأخضر. الأخضر يبدو انه لون الحياة والحظّ والأمل. لكنه أيضا لون انعدام النظام، والجشع، والسمّ والشيطان. انه لون غير مستقرّ ومن الصعب تثبيته. لذا ليس من المدهش انه أصبح مرتبطا بكلّ الأشياء المتغيّرة والعابرة والمؤقّتة كالطفولة والحبّ والمال. والأخضر، وكما هو الحال مع جميع الألوان الأخرى، له تدرّجاته وظلاله الكثيرة والمتعدّدة. أتذكّر مؤخّرا، وكنّا في رحلة بالسيارة، أننا رأينا ظلالا لا تُعدّ ولا تُحصى من هذا اللون في بعض جبال ومرتفعات المنطقة الجنوبية بعد الأمطار الأخيرة. ولفت انتباهنا أن مستوى ونوعية الاخضرار يختلف من بقعة لأخرى، مع انه قد لا يفصل بينهما سوى كيلومتر أو اثنين. كما كان لافتا أن الأشجار والنباتات في بعض تلك النواحي اكتسبت لونا اخضر غامقا قد لا يثير سوى الانقباض، بينما لا ترى ذلك الأخضر الليمونيّ الفاتح واليانع والمريح للعين والنفس إلا في الأراضي المنبسطة والمفتوحة. ميش...

رسّام الروح الإنسانية

صورة
في هذه الأيّام، يكون قد مرّ على ولادة رمبراندت أربعمائة عام. وأنا ممّن يحبّون رمبراندت ويقدّرون فنّه كثيرا. والأسباب كثيرة، لكن يمكن إيجازها في انه كان إنسانا متميّزا على المستويين الإنسانيّ والإبداعيّ. حتى ولو لم تكن على علم بسمات فنّ هذا الرجل، يكفي أن ترى لوحة فيها شخوص ضائعون في الظلّ، وليس في الفراغ الذي حولهم سوى نقطة ضوء وحيدة، لتعرف أن من رسم هذا المنظر هو رمبراندت. حالة الفقر والبؤس التي مرّ بها في آخر سنوات حياته دفعت أناسا كثيرين لأن يتعاطفوا معه كشخص لا منتمٍ، وأحيانا كمنبوذ اجتماعيّا. وعلى الرغم من حقيقة أن رمبراندت كان يتحدّر من أصول بسيطة اجتماعيّا، إلا أن فنّه واجتهاده رفعاه عاليا. وكان له معلّمون كثر، لكنه على ما يبدو لم يتعلّم منهم شيئا. كان رسّاما مختلفا حقّا. وعندما تنظر إلى بورتريهاته الكثيرة التي رسمها لنفسه، سيُخيّل إليك كما لو انه يريد أن يقول: انظروا إليّ، أنا مختلف جدّا عن غيري، ولم آت من التقاليد الراسخة والقديمة". وقد انتُقد رمبراندت بشدّة لأنه وضع كلابا في لوحاته الدينية مثل "موعظة يوحنّا المعمدان" و"السامريّ الطيّب...

طبيعة كلود لورين

صورة
الرسم مهنة فيها نبل وإبداع. وفي الواقع هناك قيمة في فعل الرسم. وأن ترسم معناه أن ترى الأشياء بعينين مختلفتين. من بين الرسّامين الذين رأيت أعمالهم في مرحلة مبكّرة الفرنسيّ كلود لورين. عاش هذا الرسّام وعمل معظم حياته في ايطاليا. وعندما ترى لوحاته لا بدّ أن تتذكّر فورا مناظر مواطنه الفنّان نيكولا بُوسان. هذا الأخير قضى، هو أيضا، الجزء الأكبر من حياته في ايطاليا. وقد أصبح الاثنان من الرسّامين الأكثر احترافا في القرن السابع عشر. كما أصبحت طبيعتهما الكلاسيكية ملمحا ثابتا في الرسم الغربيّ. بُوسان كان يهتمّ في الأساس بتصوير مناظر من العهد القديم، بينما كان لورين منجذبا أكثر إلى الأساطير القديمة. وكلا الاثنين يشتركان في أن لمناظرهما لمسة نحتية لا تخطئها العين. بالنسبة للورين، قد ترى بعض لوحاته ثم لا تلبث أن تنساها، لكنها سرعان ما تعود مرّة أخرى إلى مركز الذاكرة. الأشخاص فيها يتراجعون إلى الوراء مفسحين المجال للمضمون العاطفيّ والانفعالي. كما أنها تكشف عن مزاج رائق يركّز على مجاورة الطبيعة. وأنت تتأمّل بعضها تشعر بأن الضوء في الحقول والتلال خاصّ بذلك الوقت من اليوم وبحالة ا...