المشاركات

ملك الطيور

صورة
أوّل مرّة رأيت فيها الطاووس كانت في الهند، في قصر قديم كان مملوكا لأحد المهراجات. كان هناك عدّة طواويس وكانت تتجوّل في أروقة البناء المهجور بكلّ جلال وبهاء. والهند هي موطن الطاووس الأصلي، ولكثرته هناك يمكن أن تراه يمشي بأمان في الحدائق والغابات والمتنزّهات. ولطالما اعتبره الهنود رمزا للملوكية والسلطة ووصفوه بأن "له ريش ملاك وصوت شيطان ومشية لصّ". وهناك قصّة شعبية هندية قديمة تتحدّث عن ثعلب صبغ نفسه بالألوان كي يتفاخر بأن له جمال الطاووس، لكن حيلته انكشفت عندما طلبت منه الحيوانات أن يطير. الطاووس الهندي يُعتبر أقدم طائر زينة في التاريخ، حيث يعود زمنه إلى القرن العاشر قبل الميلاد. وكثيرا ما يثور جدل حول من جَلَب الطاووس لأوّل مرّة من أراضيه الأصلية في آسيا. ويقال إن الملك سليمان الذي حكم قبل الميلاد بألف عام من أوائل من امتلكوا هذه الطيور الغريبة. والطاووس، الذي يُوصف عادةً بـ "ملك الطيور"، واحد من أكثر الطيور شهرةً في العالم بفضل سلسلة ريشه الدائريّ المثير. وعلى مرّ التاريخ، اكتسب معاني رمزية امتدّت لثقافات مثل الهندوس والفلاسفة اليونانيين والرومان وأوروبّا...

خواطر في الأدب والفن

صورة
بينما رجل يمشي ذات يوم، ظهر أمامه فجأة نمر جائع، وأخذ يطارده إلى أن احتجزه على شفا جرف. فقفز الرجل من الجرف لتجنّب الخطر الوشيك. وأثناء سقوطه إلى أسفل تمكّن من الإمساك بغصن شجرة نمت فوق جرف آخر صغير. وبينما هو معلّق هناك، لاحظ وجود نمر ثانٍ أسفل منه ينتظر سقوطه إلى سفح الهاوية ليأكله. وعندما بدأ الرجل يفقد قواه لاحظ وجود ثمرة فراولة برّية نمت بالقرب منه. فقطفها ووضعها في فمه وهو يعلم تماما أنها ستكون آخر شيء يأكله على الإطلاق. واكتشف كم كانت تلك الثمرة حلوة ولذيذة. المذاق الحلو والمرّ لآخر حبّة فراولة في حكاية الزِن القديمة هذه هو تعبير عن الجمال الكامن في الفترة التي تفصل بين مجيء الحياة وذهابها وبين الفرح والحزن اللذين يشكّلان أقدارنا كبشر. وأحد الدروس المستفادة من هذه الحكاية هو أنه إذا كان عقل الإنسان هادئا فيمكنه أن يُبقي نفسه بعيدا عن صخب العالم، على الرغم من أنه يعيش وسط ذلك الصخب. وأيضا نحن لا نعرف في الواقع ما الذي سيحدث في اللحظة التالية من حياتنا، مثلما لم نعرف ما الذي انتهت اليه هذه القصّة. ظللنا مع الرجل معلّقين على حافة الجرف. ولم نعرف هل سقط فعلا؟ هل أكل...

فاينمان عن جماليات العلم

صورة
عُرف ريتشارد فاينمان (1918 - 1988) بإنجازاته في مجال ميكانيكا الكم والديناميكا الكهربائية وفيزياء الجسيمات، ما أهّله لنيل جائزة نوبل في الفيزياء عام 1965. ويقال انه رابع أشهر فيزيائي في التاريخ بعد غاليليو ونيوتن وآينشتاين. وكثيرا ما يُستشهد بذكائه وحكمته وتواضعه وروحه المتمّردة وبتنوّع اهتماماته ومواهبه. فقد كان عالما وشاعرا وموسيقيّا ورسّاما. ومن أشهر أقوال فاينمان: لا يمكن للإنسان أن يعيش وراء القبر"، وكان يقصد أن الانسان لا بدّ أن يترك أثرا يذكره به الناس بعد رحيله. وقد ظهرت كتب عديدة بعد وفاته عام 1988 تضمّ أحاديثه ومقابلاته ومحاضراته المشهورة. وما تزال كلماته التي تتسم بالحكمة والبصيرة تُقتبس على نطاق واسع. ومن أجمل ما يؤثر عن فاينمان آراؤه التي يمزج فيها بين تخصّصه كعالم فيزيائي وشغفه بالشعر والفنون. كتب ذات مرّة يقول: لي صديق فنّان يتبنّى آراءً لا أتفق معها أحيانا. أتاني مرّة وهو يحمل زهرة وقال: انظر كم هي جميلة!". ووافقت على ما قاله. ثم أضاف: أنا كفنّان أستطيع أن أرى كم أن هذه الزهرة جميلة، ولكنك كعالِم تقوم بتفكيكها وتشريحها الى أن تصبح شيئا مُملّ...

الفانتازيا وسيكولوجيا الهروب

صورة
في عالم مليء بالضغوط اليومية والمسؤوليات والشكوك، يلجأ الكثير من الناس إلى عالم الخيال كوسيلة للهروب من انشغالات الحياة. وسواءً كان ذلك من خلال الأدب أو الأفلام أو ألعاب الفيديو أو غيرها من أشكال الترفيه، فإن جاذبية الدخول إلى عالم مختلف، حتى لو كان ذلك مؤقّتا، لا يمكن إنكارها أو التقليل منها. هذه الظاهرة المعروفة باسم الهروبية escapism، هي جزء متأصّل من علم النفس البشري. ولكن ماذا يحدث عندما نغوص في هذه العوالم الخيالية؟ كيف يؤثّر التعامل مع الخيال على إدراكنا للواقع وقدرتنا على مواجهة تحدّيات العالم الحقيقي؟ يوفّر الهروب ملاذاً آمناً من تجارب ومحن العالم الحقيقي. فهو يسمح للأفراد بالانفصال مؤقّتا عن مشاكلهم وهمومهم، ما يوفّر لهم فترة راحة هم في أمسّ الحاجة إليها. هذا الهروب المؤقت إلى عالم الخيال يمكن أن يكون بمثابة شكل من أشكال الرعاية الذاتية أو الإجازة الذهنية. وعندما نغمر أنفسنا في هذه الحقائق البديلة، فإننا غالبا ما نكتسب شعورا بالدهشة والإثارة والفضول الذي يمكن أن يساعدنا على إعادة ضبط أنفسنا وتجديد حياتنا. وبهذا المعنى، فإن التعامل مع عوالم الخيال يمكن أن يكون له ...

فكرة التوأم الشرّير

صورة
مفردة doppelgänger "وتُنطق دَبلغِينغَر" تعني القرين أو الشبيه أو الثنائي، وأصلها ألماني من نهاية القرن الثامن عشر. وفيما بعد انتقلت الى اللغة الإنغليزية لتعني "الزائر أو المشّاء المزدوج". واليوم يُستخدم هذا المصطلح غالبا لوصف شخصين غريبين يبدوان متشابهين إلى حدّ كبير ومن عدّة وجوه، خاصّة في المظهر، مع أنهما قد يختلفان كثيرا في القيم التي يحملانها. وعادة ما يكون الشبيه أو القرين ليس فقط شخصا يشبهك في ملامحك، وإنّما قد يمشي ويتصرّف ويتحدّث ويلبس مثلك تماما. ولو رأى صديق لك شبيهك فسوف يقسم أنه أنت رغم تأكيدك له أنك لم تكن في الموقع الذي شاهد فيه الشبيه. ولقرون راجت الكثير من القصص عن القرناء وظهرت حولهم العديد من الخرافات. وجرت العادة أن يُنظر إليهم على أنهم مخلوقات شرّيرة أو منذرة بالشؤم أو سوء الحظ. وفي العديد من الثقافات يوصف القرناء أو الشبيهون بأنهم أشباح أو أرواح تبدو كأنها أناس حقيقيون. ويزعم كثيرون أن القرناء يجلبون الحظّ السيّئ، فعندما ترى شخصا يشبهك فقد تكون تلك علامة على أن شيئا سيّئا قد يحدث لك قريبا. وليس من المستغرب أن يكون الأشخاص الشبيهو...

خواطر في الأدب والفن

صورة
قرأت رواية "الشيخ والبحر" لإرنست همنغوي منذ سنوات عديدة، وللأسف لم أستطع إكمالها. بدت لي طويلة جدّا ومملّة الى حدّ ما. وقلت ربّما أعود إليها في وقت مؤاتٍ أكثر. ثم شاهدت فيلمين مقتبسين عن روايتين من روايات الكاتب هما "وداعا للسلاح" و"لمن تُقرع الأجراس". وقد أعجبني الفيلمان كثيرا لجمال القصّتين وبراعة الإخراج والتمثيل. طوال حياة همنغوي، تعرّض للإيذاء والصدمات وشاهد الناس من حوله وهم يقتلون أنفسهم ويعذّبون بعضهم بعضا. ولم يكن مستغربا أن ينقل الكثير مما رآه في الحروب والصراعات التي غطّاها كصحفي الى رواياته. ومع مرور الوقت أصبح الكاتب مهجوسا بالموت والانتحار، وجرّب أيضا الألم المزمن وإدمان الكحول الذي لم يتمكّن من السيطرة عليه أبدا. كما عانى من اضطراب ما بعد الصدمة بعد تحطّم الطائرة التي كان على متنها في أفريقيا وإصابته بكسر في الجمجمة مع إصابات أخرى. كان همنغوي كاتبا عظيما، لكن لم تُتح له الفرصة ليكون سعيدا أو ليعيش حياة طبيعية. نوع الألم الذي عاشه كان يحتاج لأجيال حتى يُشفى منه أو تخفّ آثاره. وكان سلوك همنغوي خلال سنواته الأخيرة مشابها لسلوك وا...

الإنسان والأسد

صورة
يُحكى أن رجلا كان يسير في غابة. وتصادف أن التقى بأسد كان ذاهبا في نفس الاتّجاه، وقرّر الاثنان أن يتصاحبا. وعلى طول الطريق تحدّثا في أشياء كثيرة رأياها. لكن بعد مرور بعض الوقت، اتخذ الحديث منحى تنافسيّا. كان كلّ من الرجل والأسد يعتقد أن نوعه متفوّق في العقل والقوّة على نوع الآخر. قال الرجل: نحن نستخدم الأدوات والأسلحة لجعل حياتنا أفضل، لذلك من الواضح أن البشر هم أذكى وأقوى المخلوقات". فأجاب الأسد: هذا هراء. أستطيع أن أشلّ حركة عشرة رجال في ثانية، فمخالبي وأسناني تثير الخوف في كلّ مكان." واستمرّ جدال الاثنين على هذا النحو لبعض الوقت الى أن صادفا تمثالا ضخما. كان التمثال لرجل يشبه هرقل وهو يصارع أسدا. حدّقا في التمثال بصمت لفترة طويلة. ثم قال الرجل: لقد حُسم الأمر على ما يبدو. ألا ترى أن ملك الغاب يسيطر عليه الإنسان بالكامل؟ انظر جيّدا! إلى هذا الحدّ نحن أقوياء، ملك الوحوش يصبح طريّا هشّاً مثل الشمع في أيدينا!" فردّ الأسد: هذا التمثال صنعه إنسان. ولو كان من صُنع أسد لحكى قصّة مختلفة." تُساق هذه القصّة للتدليل على أن الحكم في أيّ أمر يعتمد كلّه على وجهة ...