المشاركات

خواطر في الأدب والفن

صورة
الرسّامة الألمانية كاثي كولوفيتز صوّرت في لوحاتها معاناة الناس مع الحروب والظلم والموت. وصورها تمتلئ بالتعاطف مع الفئات الاجتماعية المحرومة، كما يمكن اعتبار تلك الصور محاكمة للأوضاع الاجتماعية والسياسية في ألمانيا في نهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين. بعد كارثة الحرب العالمية الأولى، أنتجت كولوفيتز مجموعة من سبع لوحات بعنوان "الحرب". واستخدمت صورا لأمّهات وأرامل وآباء مكلومين فقدوا أقاربهم في الحرب. وركّزت بشكل خاص على حزن الأمّهات بعد أن فقدت، هي أيضا، ابنها في الأشهر الأولى من الحرب. في لوحة الأمّهات، وهي جزء من لوحات الحرب، تظهر مجموعة من النساء الثكالى والمفجوعات وهنّ يحتضنّ بعضهنّ بعضا بعد أن فقدن ابناءهنّ في الحرب. الصورة تنقل إحساسا بالفقد واليأس. تعبيرات النساء مؤرّقة وتجسّد مشاعر الأمّهات اللاتي تحمّلن الألم الذي لا يمكن تخيّله لفقدان أبنائهن بسبب ويلات الحرب. الأطفال الذين يبرزون من تنانير أمّهاتهم في الصورة هم إشارة ضمنية إلى أن الأمّهات سيقفن معا لمنع أطفالهنّ من السير على طريق الحروب والدمار. لوحة "الأمّهات" تّعتبر شهادة على التزام ...

فريدريش: العالم كروحٍ بدائية

صورة
في الكثير من صور الرسّام الألماني كاسبار دافيد فريدريش (1774-1840)، لا يزيد عدد الأشخاص عن اثنين في الغالب. وهما دائماً يعطيان ظهريهما للناظر، ويبدوان كما لو أنهما يخطوان خارج المكان الذي يقفان فيه، أو يبحثان عن شيء ناءٍ لا يمكن بلوغه، ويتبادلان حديثاً أشبه ما يكون بحديث الأرواح. وبالإضافة إلى هذا، هناك الحضور الدائم للقمر وأشجار السنديان، والأفق المنخفض كطريقة لإبراز قرب السماء وسيطرتها. كانت الموضوعات المفضّلة لدى فريدريش، والتي ضمّنها في صوره، الأشجار العارية في مناظر الطبيعة الشتائية، والأطلال المغطّاة بأشجار اللبلاب، والسماء فوق بحر البلطيق العاصف، والأشجار المتيبّسة أو الداكنة، والسماء الليلية، وضباب الصباح، والآثار القوطية أو الصخرية، والارتباط الدائم بين البشر والطبيعة. لم يكن الرسّام يصوّر الطبيعة فحسب، وإنما أيضا الحالات المزاجية والعواطف والمشاعر التي تستحضرها. ومصداقا لهذا كان دائما يردّد: لا ينبغي للفنّان أن يرسم ما يراه أمامه فقط، بل ما يراه داخل نفسه أيضا". الكاتب المسرحي الإيرلندي سامويل بيكيت قال ذات مرّة إن لوحة فريدريش "رجلان يتأمّلان ضوء الق...

في حضرة أبي العلاء

صورة
أوصى أبو العلاء المعرّي بأن يُكتب على شاهد قبره: هذا جناه ابي عليّ وما جنيت على أحد". لكن ألم يكن ابو العلاء شاعرا وحكيما وإنسانا عاقلا وناضجا؟ كيف إذن غاب عن باله ان الانسان مسئول بالكامل عن حياته؟ ولماذا علّق اخفاقاته على والده وبرّأ نفسه؟ ربّما لم يكن المعرّي يقصد والده بشخصه، وإنما أزمته الوجودية هو بما لها من مظاهر متعدّدة، مثل معاناته في الحياة وتجربته مع فقدان نعمة البصر وفقره ومرضه والفتن والمآسي التي رآها وعاصرها، وأيضا الأذى والتشهير اللذين تعرّض لهما بعد اتهامه بالزندقة بسبب بعض شعره. لكن هناك من يرى أن المعرّي لم تكن أزمته الدِّين بل البشر، فقد كشفت له حساسيته المفرطة والصادقة عن عالم البشر مبكّرا. ولمّا لم يستطع أن ينجو منهم أو أن يشفي غليله منهم، اتّجه إلى نفسه يلومها ويؤلمها. وهناك من يؤكّد أنه كان يقصد والده الحقيقيّ فعلا لأنه رآه سببا في أزمته الوجودية عندما أتى به إلى هذه الدنيا المرعبة. ومن المعروف أن المعرّي لم يتزوّج فينجب، ولذا قال: وما جنيتُ على أحد". الكثير من شعر المعرّي يصحّ وصفه بأنه عابر للأزمنة والثقافات والأديان. ومن ذلك قوله: إذا ال...

موت الاسكندر

صورة
عندما حضر الاسكندر المقدوني الموت بالقرب من بابل، فكّر في فتوحاته وأمجاده وفي الثروات التي جمعها خلالها، وأدرك أن كلّ ذلك لا يساوي شيئا طالما أن الموت قدر محتّم على الانسان في النهاية. بعد ذلك طلب رؤية أمّه فأُخبر باستحالة ذلك. ثم أوصى بثلاث وصايا: أن يحمله أطبّاؤه وحدهم إلى القبر، وأن يُفرش الممرّ الى القبر بالذهب، وأن تُترك يداه متدليّتين خارج الكفن. ووسط دهشة مساعديه وحاشيته من تلك الوصايا قال: أريد أن يحملني الأطبّاء وحدهم لكي يعرف الناس أن لا طبيب قادر على إنقاذ انسان واحد من الموت. وأريد ان يُفرش الطريق الى القبر بالذهب لكي يعرف الناس ان الانسان لا يأخذ معه الى القبر شيئا مهما كدّس من ثروات في حياته وأن صرف الانسان عمره في جمع المال هو مضيعة للوقت والصحّة وراحة البال. وأريد أن تظلّ يداي خارج الكفن لكي يعرف الناس انني أتيت الى هذا العالم بيدين خاويتين وأرحل عنه الآن كما أتيته." القصّة أعلاه ليس هناك ما يؤكّد أو ينفي وقوعها. لكن من المؤكّد أن الاسكندر توفّي بالقرب من بابل عام ٣٢٣ قبل الميلاد بعد إصابته بمرض غامض. في لوحة من ديوان الشاعر الآذاري نظامي، يظهر مجموعة ...

رويريك والأرض الموعودة/2

صورة
في قرى لاداك، تُصادِفُ نيكولاس رويريك وعائلته ومرافقيه روائح البخور والنعناع البرّي والمريمية والتفّاح والمشمش. وعندما يصعدون إلى قمّة الجبل، يفاجئه وضوح الألوان وضخامة المنظر. "على الجبل دوّت أصوات الطبول والدفوف وشقّ موكب طويل طريقه نحونا على طول منحنيات الطريق، حاملاً الفوانيس الملوّنة والمشاعل، وتوهّج القمر الصاعد وسط النيران الحمراء. كان ذلك وقت حصاد الشعير الذهبي. كانت صفوف من الناس يحملون على ظهورهم حِزما من القمح وهم يغنّون بحرارة وحماس". ثم يتحدّث عن شريناغار، مدينة الشمس، التي تعجّ بالسياح: على الطريق توجد العديد من السيّارات. وفي غرفة الطعام في الفندق نرى وجوها لأميركيين. وفي محلّ المجوهرات، توجد لوحتان معلّقتان جنباً إلى جنب، إحداهما لإطلالة على دلهي والأخرى لإطلالة على الكرملين في موسكو". ويضيف: بين البلّورات التي نتطلّع إليها لنرى المصير وبين الياقوت في كشمير والفيروز التبتي، توجد أحجار اليشم الصينية الخضراء اللامعة. وكحديقة، تنتشر حدود القفاطين المطرّزة بألوان متعدّدة. وكشالات ثمينة، تنتشر في غرف المتحف تصاميم إيرانية وآسيوية دقيق...

رويريك والأرض الموعودة/1

صورة
كان نيكولاس رويريك شخصا متعدّد المواهب والاهتمامات. كان فنّانا وباحثا وعالم آثار ورحّالة ومغامرا وكاتبا وشاعرا ورسّاما وروحانيّا. وكانت صفاته الثلاث الأخيرة هي الغالبة، وهي التي أضفت على أعماله الفنّية بريقا غريبا خاصّا به وحده. رُشّح رويريك مرّتين لجائزة نوبل للسلام وأنشأ مدرسة فلسفية للأخلاق الحيّة. لكن الأكثر إثارة للاهتمام من بين أعماله كان بحثه عن الألغاز الخفيّة في العالم، بما في ذلك مدينة شانغريلا الأسطورية. وقيل إنه لم يعثر على مدخل تلك المدينة فحسب، بل عاش أيضا ليروي القصّة من خلال سلسلة واسعة من لوحاته الخيالية. ولد رويريك عام 1874 لأب ألماني وأمّ روسية من طبقة مرموقة في سانت بطرسبيرغ. كان منذ صغره محاطا بالكتب وأصدقاء والديه المثقّفين. وكان يقضي أيّامه في التجوال في الهواء الطلق، حيث نما شغفه بالتضاريس المتعرّجة للأرض، فضلاً عن مناظر العصور القديمة. وفي الجامعة درس المحاماة ثم الرسم. لكنه اكتشف أن لديه خططا أهم بكثير. وبعد زواجه، ترك روسيا عشيّة ثورة أكتوبر وأخذ زوجته وولديه في جولات عبر أوروبّا والولايات المتحدة وبريطانيا. ثم جعل من الهند موطنه منذ أوائل ال...

بين دافنشي وميكيل أنجيلو

صورة
هناك أوجه شبه متعدّدة بين كلّ من ليوناردو دافنشي وميكيل انجيلو. فقد اعتُبر الاثنان معلّمَين وممثلين للفنّ الكلاسيكي اليوناني والروماني. كما عملا كفنّانين تجاريَين لدى الكنيسة واستفادا من رعاية رجال الدين ودعمهم لهما. والاثنان أيضا أنتجا فنّاً تحدّى الزمن وعاش مئات السنين وما زال يحظى بتقدير الناس إلى اليوم. وقيل أيضا أن فنّ دافنشي يّتسم بالكمال، لكنه لا يثير شعورا في نفس المتلقّي. يكفي مثلا أن تنظر إلى الموناليزا أو العشاء الأخير مرّة أو مرّتين فتُعجب بحرفية الرسّام وجمال الرسم، لكن هذا لا يحرّك فيك أيّ شعور ولا يثير بداخلك أيّ أسئلة. وعلى العكس من ذلك، فإن منحوتات ميكيل انجيلو مليئة بالحركة والدراما والقصص المثيرة. ولهذا سيُكتب لفنّه الخلود والبقاء أكثر من دافنشي الذي شغله انهماكه بالعلوم والفلك والهندسة عن إنتاج فنّ حقيقي يحرّك العقل ويحرّض على الأسئلة. من ناحية أخرى، كانت شخصيتا الاثنين متعارضتين من عدّة أوجه، فليوناردو كان رجلاً اجتماعيّا يحبّ ارتداء الملابس الأنيقة وحضور مناسبات النبلاء وأعيان المجتمع. لكن ممّا يُعاب عليه تركه العديد من أعماله دون أن يكملها، لأنه كان متعد...