المشاركات

يوساميتي: الفردوس الأمريكي

صورة
بفضل لوحات البيرت بيرستادت، أصبح لوادي يوساميتي في كاليفورنيا تاريخ، وباتَ أيقونة للبراري الأمريكية. كان بيرستادت أوّل رسّام أمريكيّ يُمسك بالقوّة الرمزية لجبال سييرا نيڤادا ويوساميتي. وعندما رأى الوادي لأوّل مرّة في صيف عام 1863، ذُهل من جماله وكتب إلى صديق له يصفه بأنه "الفردوس الأمريكي". لوحاته الخمس والعشرون التي رسمها للمنطقة أصبحت محفّزا لحماية تلك الطبيعة البكر. وأشهرها لوحة تصوّر منظرا مثاليّا تظهر فيه مجموعة من الغزلان وهي ترعى بسلام في المروج. ولا بدّ أن فكرة الجنّة كانت في عقل الفنان، لذا رسم برّية مثالية لا تعيش فيها سوى الحيوانات. وقد أضاف الى المنظر لمسة لامعة من خلال وهج الشمس الغاربة المصطبغ بالألوان الصفراء والبرتقالية المنعكسة على المكان بأكمله. هذه اللوحة وغيرها أضفت طابعا رومانسيّا على يوساميتي باعتباره مكانا رعويا وفطريا وخالدا وغير مأهول، وخلعت عليه طابعا من القداسة والسموّ. يوصف وادي ومتنزّه يوساميتي بأنه أحد أعظم مَعابد الطبيعة بسبب جمال وسحر طبيعته. وقد تَشكّلَ الوادي من الأنهار الجليدية التي يصل سمكها الى 4000 قدم منذ ما يقرب من مليون عام....

بريدجمان: الرحلة الجزائرية

صورة
تأثّر الفنّان الأمريكي فريدريك بريدجمان كثيرا بثقافات وطبيعة الجزائر التي زارها بشكل متكرّر في أواخر القرن التاسع عشر. وغالبا ما تعكس أعماله رؤية رومانسية لطبيعة شمال إفريقيا، بالتقاطها التفاعل الفريد بين الضوء والظلّ الذي يميّز المنطقة. وقد اتّسمت الفترة التي قضاها بريدجمان في الجزائر بتحوّلات تاريخية وثقافية كبيرة. إذ كانت البلاد واقعة تحت الحكم الفرنسي منذ عام 1830، مع ما نتج عن ذلك من تغييرات ديموغرافية واجتماعية وسياسية كبيرة. وقد سّافر الرسّام على نطاق واسع في الجزائر وتوفّرت له تجارب مباشرة أثّرت على فنّه. وغالبا ما تصوّر لوحاته الحياة المحلية والهندسة المعمارية والبيئة الطبيعية وما الى ذلك. كان وقت بريدجمان في الجزائر مزيجا من الاستكشاف الفنّي والتفاعل الثقافي وتأثيرات الاستعمار. وهو نفسه كان جزءا من الحركة الاستشراقية الأوسع، حيث صوّر الفنّانون الغربيون موضوعات ترتبط بثقافات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أعمال بريدجمان الجزائرية ساعدت في ترسيخ مكانته كشخصية بارزة في الفنّ الأمريكي وكمفسّر مهم لبيئات شمال أفريقيا في الفنّ الغربي. وبشكل عام، أثّرت تجربته في الجزائر...

إطلالة على عالم بورخيس

صورة
كان خورخي لويس بورخيس (1899 - 1986) أحد أبرز كتّاب أمريكا اللاتينية وأحد أهم الرواة والشعراء في القرن العشرين والكاتب الأرجنتينيّ الأكثر عالميةً. "كتاب الرّمل" كان أوّل ما قرأت له، ثم كتاب "الأَلِف وقصص أخرى". وقد أحببت لغته وسرده البديع ومزجه الرائع بين الخيال والفلسفة والسوريالية وما يُسمّى بالواقعية السحرية. وفيما بعد توسّعت قراءتي له بعض الشيء، وصرت أتابع مقابلاته (وبعضها ذات قيمة أدبية كبيرة)، وتوقّفت عند أحاديثه عن الذاكرة وطبيعة الواقع والأحلام والزمن، وكذلك رؤاه المدهشة والمبثوثة في كتاباته عن دلالات المرايا والممرّات والمتاهات الأدبية. وأعجبني خاصّة تأثّره الواضح بالأدب العربي، وخاصّة كتاب ألف ليلة. من الأفكار التي كان بورخيس مفتونا بها فكرة التكرار الدائري للتاريخ والطبيعة الهذيانية للعالم. كتب ذات مرّة يقول: في مرحلة ما من الماضي أو المستقبل، سأولد من نفس الوالدين مرّة أخرى. وسيُمسك والدي بيدي مرّة أخرى بينما نتجوّل في سوق الأزهار. وسيعلّمني زوج أمّي كيف أشكّل قلائد من الخرَز بينما نجلس على سجّادة بيضاء. وستأخذني أمّي مرّة أخرى إلى أماكن بعي...

حياة مع بيكاسو

صورة
في مذكّراتها بعنوان "الحياة مع بيكاسو"، تروي الرسّامة الفرنسية فرانسواز جيلو جوانب من قصّتها مع الرسّام بابلو بيكاسو الذي تزوّجته وعاشت معه عشر سنوات أنجبا خلالها ولدا وبنتا. عندما التقى الإثنان لأوّل مرّة، كانت جيلو شخصيّة مستقلّة تماما. كانت تبلغ من العمر 21 عاما فقط، بينما كان بيكاسو في الـ 61. وكانت والدتها قد علّمتها تقنيات الرسم بالألوان المائية. كتبت جيلو مذكّراتها عن علاقاتها ببيكاسو بعد طلاقهما، وأحدثت تلك المذكّرات ضجّة، ليس فقط بسبب رواية جيلو الصريحة لعلاقتها التي استمرّت عشر سنوات مع الفنّان العصبي، بل أيضاً بسبب الدعاوى القضائية الثلاث التي رفعها بيكاسو عليها وخسرها جميعا في محاولته منع نشر كتابها. وتوصّلت المحكمة الى أن الكتاب بعيد عن تشويه سمعة الرسّام الكبير لأنه يصوّره "كرجل يتمتّع بثراء داخلي مذهل وشخصية جذّابة للغاية". كان ردّ فعل بيكاسو عصبيّا كما هو متوقّع، فقطَع كلّ علاقة له بجيلو وبطفليها منه. ثم شرع في تدمير مسيرتها الفنّية، فتحدّث عنها بالسوء في كلّ مكان ورفض عرض أعماله في أيّ معرض للوحاتها. وقد تسبّب الكتاب أيضا في استعداء ...

خواطر في الأدب والفن

صورة
يذكر المؤرّخ الإيطالي جورجيو ڤاساري في كتابه "حياة الفنّانين" قصّة مشهورة عن فنّان إيطالي يُدعى فيليپو ليپي (1406 - 1469). كان هذا الرسّام مسافرا في أحد الأيّام في قارب مع بعض أصدقائه. وفي عرض البحر قبض عليهم بعض البحّارة المغاربة الذين كانوا يجوبون تلك السواحل، وأخذوهم إلى بلاد المغرب ووضعوهم في السجن. وظلّ الرسّام هناك يعاني الضيق الشديد لمدّة 18 شهرا. ولكن ذات يوم، وبينما كان في صحبة سيّده المغربي، خطرت له فكرة رسم صورة له. فأخذ فحما مطفأً من النار ورسمه بكامل طوله وبزيّه المغربي على جدار أبيض. وبدا لسيّده ومرافقيه أن ما فعله الرسّام كان معجزة، حيث لم يكن الرسم يمارَس في تلك المناطق. وكانت تلك الصورة البسيطة سببا في مكافأة "ليپي" بتحريره من السلاسل التي قيّدته لفترة طويلة ومن ثم نقله بأمان إلى نابولي. وهذه القصّة تثبت ما للفنّ من قوّة عظيمة ومؤثرة. فبسبب صورة، مُنح رسّام جائزة لا تُقدّر بثمن! وبدلاً من معاقبته، وُهبت له الحرّية بدل الموت. ❉ ❉ ❉ ينطوي رهاب التضاريس أو الأماكن Topophobia على روابط عاطفية سلبية بين البشر وبعض البيئات، كالم...

قصّة من روما القديمة

صورة
في التاريخ الروماني، لا تعرف أحيانا متى تنتهي الأسطورة وأين يبدأ الواقع. كما تستوقفك الأدوار البالغة الأهمية التي تلعبها النساء في الكثير من أحداث تاريخ روما القديمة. ومن أشهر القصص التي يمتزج فيها الواقع بالخيال قصّة اغتصاب نساء سابينا التي وقعت حوالي عام 753 قبل الميلاد وورد ذكرها في الكثير من المصادر وفي كلام العديد من المؤرّخين. والحادثة ترتبط بالتاريخ المبكّر لروما وبحكم رومولوس، المؤسّس الأسطوري للمدينة والذي سُميت روما على اسمه. ومع أن القصّة غارقة في الأسطَرَة، إلا أنها تعكس الحقائق التاريخية لروما القديمة، حيث كانت التحالفات وصراعات القوّة أمورا شائعة. وقد تكون القصّة أيضا بمثابة تفسير أسطوريّ لاستيعاب القبائل المجاورة في مجتمع روما. المؤرّخ الروماني المشهور تايتوس ليڤي يروي أن سكّان روما كانت غالبيتهم من الذكور. وقد أدرك رومولوس أنه لكي تزدهر المدينة وتنمو، فإنها بحاجة إلى نساء لإنجاب الأطفال. كما قَدّر بأن مستوطنته الجديدة مهدّدة بألا تستمرّ سوى لجيل واحد فقط بسبب قلّة أعداد النساء لأنه لم يكن يحقّ للرومان الزواج من جيرانهم. وخوفاً من أن يصبح الرومان أمّة منقرضة...

الشعر الأسود

صورة
"الشعر الأسود" واحدة من أربع قصص منفصلة يتضمّنها الفيلم الياباني "كايدان" من إخراج ماساكي كوباياشي (1964). وتبدأ القصّة بمشهد لمحارب ساموراي يمرّ بوقت عصيب، إذ يجد نفسه فجأة بلا عمل في كيوتو، العاصمة القديمة لليابان. ونرى زوجته المحبّة والوفيّة وهي تعمل بجدّ في النسج على نول في منزلهما من أجل تحسين معيشتهما. لكن الساموراي الزوج لديه خطط أخرى، ويريد أن يترك زوجته بحثا عن مراعٍ أكثر خضرة. ويرفض بقسوة توسّلات الزوجة له بأن يبقى الى جوارها. ويبحث الساموراي عن امرأة أخرى ثريّة توفّر له المكانة ووظيفة مرموقة مع الحاكم. وفعلا يجد الزوجة الثريّة التي يبحث عنها. لكن زوجته الجديدة لا تشبه زوجته السابقة. فهي أنانية وقاسية ولامبالية ومتغطرسة. وتمرّ سنوات، يتذكّر خلالها بحنين زوجته الأولى التي اعتادت العمل باستمرار حتى يتمكّنا من العيش بسعادة. وبعد أن أدرك أنه ما يزال يحبّها وعرف مدى ظلمه لها ونكرانه لجميلها، أصبح يملؤه الأسى والندم وهجَرَته راحة البال. وفي بعض الأحيان كانت زوجته السابقة تظهر له في أحلامه وهي جالسة وحدها في الغرفة الصغيرة من المنزل المتهالك الذي ترك...