المفكّر والفيلسوف الأمريكي هنري ديفيد ثورو الذي قضى فترة من حياته في وسط غابة يقول: ذهبت إلى الغابة لأنني كنت أرغب في أن أعيش حياة مدروسة، وأن أواجه فقط الحقائق الأساسية للحياة، وأرى ما إذا كان بمقدوري تَعلُّم ما يجب أن تعلّمني إيّاه الحياة، ولكيلا أكتشف عندما يحين موعد موتي أنني لم أعش. أن تضيع في الغابة في أيّ وقت هي تجربة مدهشة ولا تُنسى."
الدخول إلى عالم الفنّان الفرنسي هنري روسو يشبه الدخول إلى أعماق غابة يوحي شكلها بالمتاهة، حيث تتكشّف أنواع القصص والدراما المختلفة من خلف الأغصان والنباتات والأشجار. كان هذا الرسّام يرى العالم كغابة ويعبّر من خياله عن العالم كما يراه. وكان دائما يقول: لا شيء يجلب لي السعادة أكثر من تأمّل الطبيعة ورسمها".
دستويفسكي يشير في فقرة من روايته الأشهر "الإخوة كارامازوف" إلى لوحة يصفها بالمذهلة للرسّام إيفان كرامسكوي، تظهر فيها غابة في الشتاء ورجل يقف بمفرده على الطريق بثياب رثّة وحذاءين باليين. ثم يعلّق على اللوحة بقوله: هناك أشخاص كثر يعيشون في هذا العالم، ليسوا بالسيّئين أو الأشرار، لكن لا فائدة منهم أيضا".
باولو اوتشيللو رسّام إيطالي عاش في القرن الرابع عشر. وأشهر لوحة له صوّر فيها رحلة صيد في غابة ليلية لعدد من أثرياء فلورنسا مع حاشيتهم وخدمهم. وقد ملأ الرسّام اللوحة بصور لفرسان مع خيول وكلاب. في زمن اوتشيللو، كان الصيد هو الرياضة المفضّلة للعائلات الموسرة. ولطالما ارتبطت طقوسه بالزواج، إذ كانت مطاردة الحيوانات وصيدها هي الصورة المجازية للسعي في طلب المحبوب وخطب ودّه.
جيم كوربيت عالم طبيعة إنغليزي قضى سنوات طويلة في الهند في بدايات القرن الماضي وكتب كثيرا عن غابات تلك البلاد وعن جمال وتنوّع حياتها الفطرية. يقول واصفا غابة:
اللون الأزرق الفولاذي للبِركة المحاطة بأشجار السرخس حيث يرتاح الماء قليلاً قبل أن يتدفّق فوق الصخور والحصى ليأخذ أنفاسه مرّة أخرى في بركة أخرى أكثر جمالا من تلك التي تركها للتوّ، وميض طائر الرفراف الملوّن وهو يكسر سطح الماء ويُسقط وابلا من الماس من أجنحته وهو يرتفع بزقزقة مبهجة بينما سمكة صغيرة فضّية مثبّتة بقوّة في منقاره القرمزي، النداء اللحني الواضح للغزلان المرقّطة إذ تُبلِغ أهل الغابة أن النمر، الذي تظهر آثار أقدامه مبلّلة على الرمال حيث عبَر النهر قبل بضع دقائق، يبحث عن عشائه."
"مكتبة المستقبل" مشروع ثقافي عالمي يعتمد على أشجار غابة. وقد تمّ بموجب المشروع تكليف عدد من الروائيين العالميين الأحياء بأن يكتب كلّ منهم مخطوطة رواية، على ألا تُطبع وتُنشر إلا بعد 100 عام من الآن.
ولهذا الغرض زُرعت 1000 شجرة صنوبر في غابة بأوسلو على أن تُقطع الأشجار بعد 100 عام وتُحوّل إلى ورق تُطبع عليه مخطوطات الكتب التي يُرجّح ألا يكون مؤلّفوها على قيد الحياة في ذلك الوقت.
ومن الروائيين الذين فرغوا بالفعل من كتابة مخطوطات رواياتهم وسلّموها لأمانة المكتبة كلّ من النرويجي كارل كنوسغارد والتركية اليف شفق والكندية مارغريت ايتوود.
الرسّام الروسي إيفان شيشكين من القرن التاسع عشر له لوحة جميلة ولا يخلو اسمها من شاعرية: أمطار في غابة الصنوبر" (فوق). الصورة تثير إحساسا بالألوان الزاهية وبالسماء الأكثر إشراقا. والرسّام يخلق شعورا حقيقيّا بالعالم، حيث الطبيعة ليست طيّبة أو شرّيرة.
وهو يقودك في السير على طريق، ومن السهل عليك بعدها أن تقتفي خُطاه. كما انه يمنح الناظر انطباعا بأن السماء تمطر. كان شيشكين يُلقّب بـ "شاعر الغابات الملحمية الروسية" لإمساكه بمواسم الغابات وتعبيره عن أمزجة الطبيعة المتغيّرة.
غابات السنديان ترتبط بعدد من ثقافات العالم. في أساطير الشمال الأوربّي، السنديان هي الشجرة المقدّسة لإله الرعد الإسكندنافي تور. واليونانيون اعتبروها مقدّسة لأنها شجرة زيوس كبير الآلهة. وتعيش السنديانة لقرون وأحيانا لألف عام. ومن أشهرها تلك التي زرعها الملك الانغليزي جون وعاشت 800 عام وعاصرت حكم 35 ملكا.
أما أشهر شجرة سنديان على الاطلاق فتقع وسط غابة شيروود بإنغلترا. ويقال إن عمرها ألف عام وأنها نفس الشجرة التي كان يلجأ إليها روبن هود ورجاله الخارجون عن القانون. ومن المعروف أن السنديانة تدعم النظام البيئي وتخدم الكائنات التي تتغذّى عليها.
الروائي روبرت لويس ستيفنسون مؤلّف "جزيرة الكنز" يقول: لا تسيطر الغابة على قلوب البشر بسبب جمالها، بل بسبب ذلك الشيء الدقيق؛ تلك النوعية من الهواء المنبعث من الأشجار القديمة، والتي تعمل بشكل رائع على تغيير وتجديد الروح المتعبة."
الفنانّة فريدا كالو رسمت نفسها وصراعها مع الألم كثيرا. في إحدى أشهر لوحاتها التي رسمتها بعد عملية جراحية في العمود الفقري إثر حادث سيّارة، صوّرت الفنّانة المكسيكية نفسها بجسد غزالة تعدو في غابة مهجورة وفارغة وجسدها دامٍ ومثقل بالجراح من أثر السهام المنغرسة فيه. والمنظر يُوصل إحساسا بالعزلة واليأس.
في هنغاريا ووسط غابات كثيفة وجبال عالية يقوم متنزّه يقال إنه أحد أفضل الأماكن على الأرض للتحديق في النجوم وتصويرها. كما أنه جنّة للطيور النادرة. السماء هناك تصبح في بعض الليالي صافية جدّا، لدرجة أن أجراما سماوية مثل مجرّة المثلّث يمكن رؤيتها بالعين المجرّدة.
الكاتبة ليزا كليباس تُورد وصفا بديعا لغابة حُوّل جزء منها إلى حديقة لقصر ضخم. تقول:
كانت الغابة المحيطة بالحديقة عميقة وكثيفة، لدرجة أنها تبدو بدائية المظهر، في حين بدت الحديقة التي تبلغ مساحتها 12 فدّانا خلف القصر مثالية للغاية بحيث لا يمكن أن تكون حقيقية.
وكانت هناك بساتين ومروج وبرَك ونوافير. كانت حديقة ذات أمزجة متعدّدة، تتراوح ما بين الهدوء والصخب الملوّن. حديقة منضبطة، كلّ خصلة من عشبها مجزوزة بدقّة، وزوايا سياج الصناديق مقصوصة لتصبح حادّة مثل السكّين.
بدون قبّعة أو قفّازات، ومشبعة بإحساس مفاجئ بالتفاؤل، تنفّست أنابيل بعمق من هواء الريف. دارت حول حافّة الحدائق المتدرّجة في الجزء الخلفي من القصر واتبعت درباً مرصوفا بالحصى يقع بين أسرّة مرتفعة من الخشخاش وأزهار الراعي.
وسرعان ما أصبح الجوّ معطّرا بشذى الزهور، حيث كان الدرب موازيا لجدار حجريّ جافّ مغطّى بأوراق من الأزهار الوردية والكريمية. وأثناء تجوالها البطيء، عبرت أنابيل بستانا من أشجار الكمّثرى القديمة التي نحتتها عقود من الزمن وحوّلتها إلى أشكال رائعة."
في منمنمة شرقية ذات تفاصيل وألوان رائعة رُسمت حوالي القرن السادس عشر الميلادي، نرى مشهدا لغابة ليلية تجري على أرضها مسابقة للصيد بين ثلاثة رجال يمتطون الخيل ويهاجمون مجموعة من الأسود والظباء والطيور.
ويُرجّح أن هذه اللوحة رُسمت في الأصل لتزيّن غلاف كتاب أو ديوان شعر.
هيرسينيا اسم غابة عمرها أكثر من ١١ ألف عام، كانت في الماضي تمتدّ عبر أراضي عدّة دول اوربّية، أهمّها ألمانيا. وقد تحدّث عنها القائد الروماني يوليوس قيصر في أحد كتبه فقال إنها من الاتساع بحيث يحتاج الإنسان لـ ٩ أيّام لقطعها بالعرض.
كما أشار إلى أنواع من الحيوانات والنباتات الغريبة التي رآها من قُدّر لهم الذهاب إلى هناك. ويتفق قيصر مع كلّ من أرسطو وهيرودوت وبليني الأكبر في أن هذه الغابة التي تردّد اسمها كثيرا في كتب القدماء قد تكون الموطن الأوّل لحيوان اليونيكورن الأسطوري أو حيوان آخر قريب الشبه به.
أمس صباحا، وبلا مقدّمات، لمعت في ذهني فجأة صورة الفنّان الكبير أبو بكر سالم الذي احتفظ له في نفسي بمكانة خاصّة. وفجأة أيضا، علمت أنه انتقل إلى رحمة الله بعد ساعات فقط من تذكّري الغريب له. كان أبو بكر سالم نسيج وحده بين فنّاني جيله. صوت متميّز وأداء حسّاس، مع ذائقة عالية للشعر والموسيقى. ومنذ أن وعيت نفسي وأنا اسمع صوته. كانت أغانيه حاضرة في كلّ مكان، لذا انطبع صوته وأسلوب أدائه المميّز في وجدان الكثيرين من أبناء جيلي. وأصبح صوته علامة فارقة لا يشبه أيّ صوت آخر وأيضا لا صوت آخر يشبهه. وأبو بكر لم يكن مجرّد مطرب، بل كان أيضا شاعرا متمكّنا وملحّنا موسيقيّا لامعا. تسمع بعض أغانيه فتدهشك قدرته الفذّة في التنقّل بسلاسة بين المقامات وابتداع جمل موسيقية في منتهى الرقّة والجمال ممّا لا يستطيع مغنٍّ آخر فعله إلا في ما ندر. كان أبو بكر من أوائل مطربي الجزيرة العربية الذين ذهبوا إلى لبنان في ستّينات القرن الماضي كي يسجّل فيها أغانيه. وكانت بيروت وقتها قبلة للفنّ والموسيقى في العالم العربيّ. وعندما تسمع بعض أغانيه من تلك الفترة ستلاحظ، بالإضافة إلى جمال الأداء، أناقة التوزيع الموسيقيّ...
شاهدت منذ أيّام برنامجا، أو بالأحرى تحقيقا مصوّرا، بثّته إحدى القنوات البولندية عن فنّ الجسد. ورغم أنني لم افهم شيئا مما قيل فإنني مع ذلك حرصت على متابعة الصور والمشاهد بدافع الفضول وحبّ المعرفة. وقد عرض البرنامج مناظر لرجال ونساء ملئت أجسادهم بصور لشياطين وجماجم وأفاعي وعناكب وعقارب، إلى غير ذلك من الرسومات الصادمة والغريبة. وقد حرّضني مضمون ذلك الفيلم على أن أبحث أكثر عن نشأة وتطوّر هذا النوع من الفنّ والغايات والدوافع النفسية التي تفسّر شغف بعض الناس بوشم أجسادهم وتلطيخها بتلك الألوان الصاخبة والأشكال الشاذّة والمخيفة. ومن المعلومات التي أثارت اهتمامي عن الموضوع أن الثيمة الرئيسية المسيطرة على الوشم وفنّ الجسد عموما هي صورة الجمجمة، بحسب ما يقوله هنري فيرغيسون ولين بروكتر مؤلفا كتاب فنّ الوشم احد أشهر الكتب عن الموضوع. علماء النفس يعللون هذه الظاهرة بأنها انعكاس لحالة الشكّ وعدم اليقين التي تتملّك الإنسان وخوفه الغريزي من المستقبل. كما أن صور الوشم التي ترمز للموت، وتأخذ شكل جماجم مشتعلة وثعابين تزحف عبر فتحات الجماجم وشياطين وحيوانات تنّين وخيول شاحبة وجنس وألسنة لهب، يمكن ...
في كتابه "الأزرق: تاريخ لون"، يكتب ميشيل باستورو تاريخا فاتناً للون الأزرق في الغرب منذ بدايات العصر الحجري وحتى القرن العشرين. كما يوضّح كيف أن هذا اللون النادر أصبح اللون الأكثر شيوعا ورواجا اليوم بأطيافه واشتقاقاته وظلاله المختلفة، من النيلي إلى اللازوردي إلى البحري الغامق إلى الكوبالت إلى التوركواز إلى الزاج الأزرق وسواها. والكتاب يخبرنا أيضا عن الثقافات المختلفة التي أحبّت هذا اللون أو كرهته. كما يتحدّث عن الفنّ العظيم الذي أنتجه. ويخصّص باستورو جزءا من كتابه للحديث عن المعاني والدلالات المتغيّرة للأزرق، منذ ظهوره النادر في فنّ عصور ما قبل التاريخ إلى انتشاره الكبير في عالم اليوم من خلال البلوجينز والسجائر ولوحات بيكاسو وغيرها. ولكي يقوم المؤلّف بهذه المهمّة، تعقّب تاريخ هذا اللون من الناحية التاريخية والاجتماعية في أربعة فصول تتناول العصور القديمة والعصور الوسطى وبدايات العصر الحديث. الأزرق له تاريخ طويل في العالم الغربي. الإغريق كانوا يحتقرون اللون لكونه "قبيحا وهمجيا". لكن معظم الأميركيين والأوروبيّين الآن يختارونه كلونهم المفضّل. يقول المؤلّف إن الأز...