ألماني في أمريكا
في صيف عام ١٩٠٥، سافر الفيزيائيّ الألمانيّ لودفيك بولتزمان إلى الولايات المتحدة لإلقاء سلسلة من المحاضرات في جامعة كاليفورنيا، بيركلي. وقد وثّق تلك الرحلة لاحقا في كتاب رحلات خفيف وممتع.
كانت رحلة بولتزمان بمثابة استراحة عابرة ومُبهجة في حياته. وبعد عودته، عانى من المرض ومن تدهور صحّته النفسية، وأقدم على الانتحار في سبتمبر من السنة التالية.
فيما يلي مقاطع مترجمة ومختارة من انطباعات لودفيك بولتزمان عن رحلته الأمريكية..
كانت رحلة بولتزمان بمثابة استراحة عابرة ومُبهجة في حياته. وبعد عودته، عانى من المرض ومن تدهور صحّته النفسية، وأقدم على الانتحار في سبتمبر من السنة التالية.
فيما يلي مقاطع مترجمة ومختارة من انطباعات لودفيك بولتزمان عن رحلته الأمريكية..
❉ ❉ ❉
كانت رحلتي الأخيرة إلى كاليفورنيا في صيف عام 1905 رائعة حقّا. لذا سأتحدّث عنها قليلا. بالتأكيد لا أدّعي أنه يجب عليك السفر إلى كاليفورنيا لرؤية مناظر خلابة ومثيرة للاهتمام، أو لقضاء وقت ممتع. فبمجرّد المشي في جبال وطننا الجميلة، يمكن للمرء أن يشعر بمتعة وفرح لا حدود لهما. لكن زيارة كاليفورنيا يظلّ لها سحر خاص.
حضرت يوم الخميس كالمعتاد الاجتماع الدوري لأكاديمية فيينا للعلوم، حيث أعمل أستاذا للفيزياء النظرية. وبعد الاجتماع، لاحظ أحد الزملاء أنني لم أكن متّجها إلى شارع باكيرشتراس، طريقي المعتاد، فسألني إلى أين أنا ذاهب. أجبت باقتضاب: إلى أمريكا، لإلقاء سلسلة محاضرات في بعض جامعاتها.
لطالما تساءلت أيّهما أغرب في أمريكا: أن يكون المليونيرات مثاليين، أم أن يصبح المثاليون مليونيرات. يا لها من أرض محظوظة فعلا! انتقلت إلى بريمن، ثم إلى نيويورك مع أمير من عائلة هونتسولرن.
السفن البخارية العملاقة تعدّ من أروع إبداعات الإنسان. أجد كلّ رحلة جديدة على متن إحدى هذه السفن العظيمة أجمل من سابقتها. يا له من بحر هائج رائع، يتغيّر كلّ يوم، وكلّ يوم يزداد روعة! اليوم هو أبيض بلون الزبدة وفي حالة اضطراب عارم. وفي أيّام أخرى، يتزيّن البحر بأبهى حُلله: ثوبه الأزرق الداكن، لون قاتم ومشرق في آن، مزيّن بطبقة رقيقة من الزَبَد الحليبي.
ضحكت ذات مرّة عندما قرأت أن رسّاما أمضى أيّاما وليالي في محاولة إعادة إنتاج لون معيّن. الآن لم أعد أضحك. لقد دمعت عيناي بالفعل لرؤية ذلك البحر الأزرق الداكن. كيف يمكن للّون أن يبكينا؟ إن كان ثمّة ما هو أجدر بإعجابنا من جمال الطبيعة هذا، فهو براعة الإنسان التي تغلّبت على البحر اللامتناهي في صراع يعود إلى ما قبل زمن الفينيقيين.
لا شكّ أن أعظم عجائب الطبيعة هي العقل البشري المبدع. ولو سُئلت عن أكثر البشر حظّا، لذكرت كولومبوس دون تردّد. ليس لأن اكتشافا آخر لم ينافس اكتشافه، فما علينا إلا أن ننظر إلى اختراع الألماني العظيم غوتنبيرغ.
لا أستطيع أن أطأ أرض أمريكا دون أن أشعر بشيء من الحسد تجاه كولومبوس، أو بالأحرى بشيء من النشوة لأنني أستطيع أن أختبر جزءا صغيرا من سعادته. عندما ندخل ميناء نيويورك، ينتابني دائما شعور بالرهبة. هذه المباني الشاهقة وتمثال الحرّية الشامخ بشعلته، تهيمن على المشهد.
فور وصولي إلى هوبوكين، استأجرت سيّارة أجرة، كان من المفترض أن توصلني أوّلا إلى مكتب سكّة حديد ساثيرن باسيفيك، ثم محطّة القطار.
لكن كان عليّ الانتظار ليومين في نيويورك. لذا غيّرت مسار سيّارة الأجرة إلى فندق ويستمنستر، والآن لديّ متّسع من الوقت للتجوّل في المدينة ليومين. نيويورك بالتأكيد ليست مملّة. يا له من تنوّع غني من المعالم السياحية ووسائل الترفيه التي توفّرها رحلة بسيطة بالترام. إذا حالفك الحظ وجلست بالقرب من السائق، فستبهرك مهاراته القيادية التي لا تقلّ شأنا عن مهارات نابليون الأوّل.
أثناء عبوري القارّة، وصلت من نيويورك إلى سان فرانسيسكو في أربعة أيّام وأربع ليال. تشعر وكأنك تُقذف في الهواء. كانت الرحلة فوق الجسر الخشبي العملاق فوق بحيرة "سولت ليك" الكبرى مثيرة للاهتمام أيضا، وكذلك المساحات الشاسعة المغطّاة بالملح والتي بدت كحقول من الثلج.
وكان عبور سلسلة جبال "سييرا نيفادا" قرب نهاية الرحلة في غاية الروعة والجمال. ذكّرتني بمنطقة سيميرينغ جنوب فيينا. ربّما ليست بنفس القدر من الجمال، لكن سلسلة جبال سييرا أوسع بكثير وقممها أعلى.
بسبب التأخير في نيويورك، تأخّرت في الوصول إلى بيركلي. لم أصل إلى هناك إلا مساء 26 يونيو، وهو اليوم الذي بدأت فيه الدورة الصيفية. كان من المتوقّع أن ألقي محاضرة باللغة الإنغليزية. لكن لم تُتح لي فرصة التحدّث بالإنغليزية خلال الرحلة كما كنت آمل. كان الألمان الذين يجيدون الإنغليزية يعودون دائما إلى لغتهم الأم بعد بضع كلمات، أما الإنغليز الحقيقيون فلم يتحدّثوا على الإطلاق.
جامعة بيركلي، حيث سأدرّس، هي أجمل مكان يمكن تخيّله. الحرم الجامعي عبارة عن حديقة تبلغ مساحتها حوالي كيلومتر مربّع، بأشجار عريقة شهدت مرور قرون أو ربّما آلاف السنين. والمباني جذّابة مع أثاث عصري.
يخيّم على المكان جوّ من التأمّل الفلسفي. بيركلي نفسه هو فيلسوف إنغليزي يحظى بإعجاب كبير، ويُنسب إليه ابتكار المثالية الفلسفية، وهي أعظم حماقة خطرت على عقل بشر. ففلسفة بيركلي تُنكر وجود العالم المادّي من الأساس.
على الرغم من أن بيركلي تقع على نفس خطّ عرض باليرمو، إلا أنها تتعرّض أحيانا في الصيف لرياح باردة قادمة من المحيط الهادئ. وهي أبرد قليلا في الشتاء منها في الصيف. ولكن هذا فقط عندما تمطر. وفي الصيف، لا أثر للمطر على الإطلاق.
كان الطعام جيّدا. لكن يُحظر شرب أو تقديم البيرة أو النبيذ أو المشروبات الروحية منعا باتّا في هذه المدينة. لكنّي لم أرغب في الموت عطشا، لذا خاطرت بشرب الماء، لكن بدون ثلج. ولما سمعت عن متجر ممتاز لبيع النبيذ الكاليفورني في أوكلاند، ذهبت إلى هناك، وتمكّنت من تهريب كميّة من زجاجات النبيذ عبر حدود المدينة. لكن كان عليّ أن أشرب النبيذ بعد العشاء سرّا، حتى كدت أشعر أنني أمارس رذيلة.
في يوم الأحد، الثاني من يوليو، ذهبت لحضور ساعة من الموسيقى المجّانية في المسرح اليوناني. وهذا المسرح هو نسخة طبق الأصل من مسرح سوفوكليس في أثينا، إلا أنه بدا لي أكبر. يُعدّ المدرّج المكشوف مناسبا جدّا لمدينة لا تمطر فيها السماء صيفا، حيث يحجب الضباب الشمس في كثير من الأحيان.
في هذا المسرح، كان من المفترض أن يقود ماهلر سيمفونيته الثالثة مع أوركسترا فيينا الفيلهارمونية، فترتجف الأشجار فرحا، ويزداد المحيط هدوءا وهو يصغي بانتباه.
أما يوم الثلاثاء، الرابع من يوليو، فكان "يوم الاستقلال"، أعظم الأعياد الأمريكية، والذي يُحتفل به سنويّا بالألعاب النارية. شاهدت عروض الألعاب الرائعة من سطح مبنى يطلّ موقعه على منظر بانورامي لخليج سان فرانسيسكو وجسر البوّابة الذهبية وجبل تامالبايس.
في الأسابيع التي تلت ذلك، كنت أُدعى إلى مكان ما كلّ نهاية أسبوع. وكانت الدعوة الأولى إلى قصر السيّدة "فيبي هيرست" الفخم قرب ليفرمور. وأقول بلا مبالغة إن السيّدة هيرست هي جامعة بيركلي.
في أوروبّا، تُعتبر الجامعة رمزا مثاليّا من العصور القديمة. أما في أمريكا، فهي امرأة حقيقية تملك "وهذا جوهر الموضوع" ملايين حقيقية. والسيّدة هيرست تتبرّع سنويّا بملايين الدولارات لتوسيع الجامعة. وبالطبع، تكفّلت هي بنفقات رحلتي إلى أمريكا.
رئيس الجامعة ليس سوى المسؤول التنفيذي لمجلس الأمناء، الذي ترأسه السيّدة هيرست. والوضع أكثر تعقيدا في جامعة ليلاند ستانفورد الأم في بالو ألتو، التي زرتها ليوم واحد. بعد أن أصبح "ليلاند ستانفورد" الأب ثريّا جدّا بفضل بنائه أوّل خطّ سكّة حديد عابر للقارّات، أودى حادث مفاجئ بحياة ابنه الوحيد، الذي جمع الأب ثروته الطائلة من أجله وحده.
ثم وقع هو والسيّدة جين لاثروب ستانفورد، في نوع من الهوس الديني. في أوروبّا، عندما تصاب سيّدة مسنّة بالجنون، تشتري لنفسها عشرات القطط أو ببّغاء. أما هنا، فتستعين بمهندس معماريّ من الطراز الأوّل وتبني جامعة ستكون بلا شكّ نعمة للأجيال القادمة.
وعلى عكس بيركلي، تتميّز جامعة ستانفورد بتصميم موحّد وجذّاب من الناحية المعمارية، ولكنه يبدو لي غير مناسب تماما لغرضها التعليمي. هذه هي مشكلة المهندسين المعماريين في جميع البلدان. كنيسة الجامعة فخمة ومزيّنة بزخارف غنيّة على الجدران والأسقف، مع زجاج ملوّن ومنحوتات.
بعد وفاة زوجها، تولّت السيّدة ستانفورد وحدها إدارة الجامعة لفترة طويلة. ثم توفّيت هي أيضا في فبراير 1905، ولكن ليس قبل أن تخصّص للجامعة في وصيّتها مبلغا وفيراً.
ضيعة هيرست قرب ليفرمور تُعدّ جوهرة تعكس قدرا كبيرا من الفخامة والثراء والذوق الرفيع. استقبلتنا العربات، مع بقيّة ضيوف عطلة نهاية الأسبوع، في محطّة القطار. وانطلقنا عبر بوّابة دخول غريبة إلى حديقة زاخرة بأشجار رائعة وزهور خلابة.
هنا تتجّلى الثروة في وفرة المياه. فعندما لا تبخل كاليفورنيا بالماء، يُزهر الصيف والشتاء بوفرة متساوية. تجوّلنا في هذه الحديقة لفترة طويلة، حيث تطلّ على مناظر رائعة لجبلي ديابلو وهاميلتون. وأخيرا، وصلنا إلى مقرّ الضيافة.
بُني القصر على الطراز البرتغالي المكسيكي، وهو عبارة عن حلقة من المباني تحيط بفناء مغلق ببوّابات حديدية ضخمة. من الواضح أنه نوع من الحصن. الفناء تتوسّطه نافورة رخامية قديمة اشترتها السيّدة هيرست بنفسها من فيرونا.
يتضمّن الهاسيندا "أو المنتجع" كنزا دفينا يضمّ أروع الأعمال الفنّية والتحف النادرة التي اقتنتها السيّدة هيرست من شتى أنحاء العالم القديم والجديد. وهي مزيج فريد من التحف اليونانية والرومانية وتحف العصور الوسطى والمكسيكية والصينية واليابانية والهندية الشرقية.
حضرت يوم الخميس كالمعتاد الاجتماع الدوري لأكاديمية فيينا للعلوم، حيث أعمل أستاذا للفيزياء النظرية. وبعد الاجتماع، لاحظ أحد الزملاء أنني لم أكن متّجها إلى شارع باكيرشتراس، طريقي المعتاد، فسألني إلى أين أنا ذاهب. أجبت باقتضاب: إلى أمريكا، لإلقاء سلسلة محاضرات في بعض جامعاتها.
لطالما تساءلت أيّهما أغرب في أمريكا: أن يكون المليونيرات مثاليين، أم أن يصبح المثاليون مليونيرات. يا لها من أرض محظوظة فعلا! انتقلت إلى بريمن، ثم إلى نيويورك مع أمير من عائلة هونتسولرن.
السفن البخارية العملاقة تعدّ من أروع إبداعات الإنسان. أجد كلّ رحلة جديدة على متن إحدى هذه السفن العظيمة أجمل من سابقتها. يا له من بحر هائج رائع، يتغيّر كلّ يوم، وكلّ يوم يزداد روعة! اليوم هو أبيض بلون الزبدة وفي حالة اضطراب عارم. وفي أيّام أخرى، يتزيّن البحر بأبهى حُلله: ثوبه الأزرق الداكن، لون قاتم ومشرق في آن، مزيّن بطبقة رقيقة من الزَبَد الحليبي.
ضحكت ذات مرّة عندما قرأت أن رسّاما أمضى أيّاما وليالي في محاولة إعادة إنتاج لون معيّن. الآن لم أعد أضحك. لقد دمعت عيناي بالفعل لرؤية ذلك البحر الأزرق الداكن. كيف يمكن للّون أن يبكينا؟ إن كان ثمّة ما هو أجدر بإعجابنا من جمال الطبيعة هذا، فهو براعة الإنسان التي تغلّبت على البحر اللامتناهي في صراع يعود إلى ما قبل زمن الفينيقيين.
لا شكّ أن أعظم عجائب الطبيعة هي العقل البشري المبدع. ولو سُئلت عن أكثر البشر حظّا، لذكرت كولومبوس دون تردّد. ليس لأن اكتشافا آخر لم ينافس اكتشافه، فما علينا إلا أن ننظر إلى اختراع الألماني العظيم غوتنبيرغ.
لا أستطيع أن أطأ أرض أمريكا دون أن أشعر بشيء من الحسد تجاه كولومبوس، أو بالأحرى بشيء من النشوة لأنني أستطيع أن أختبر جزءا صغيرا من سعادته. عندما ندخل ميناء نيويورك، ينتابني دائما شعور بالرهبة. هذه المباني الشاهقة وتمثال الحرّية الشامخ بشعلته، تهيمن على المشهد.
فور وصولي إلى هوبوكين، استأجرت سيّارة أجرة، كان من المفترض أن توصلني أوّلا إلى مكتب سكّة حديد ساثيرن باسيفيك، ثم محطّة القطار.
لكن كان عليّ الانتظار ليومين في نيويورك. لذا غيّرت مسار سيّارة الأجرة إلى فندق ويستمنستر، والآن لديّ متّسع من الوقت للتجوّل في المدينة ليومين. نيويورك بالتأكيد ليست مملّة. يا له من تنوّع غني من المعالم السياحية ووسائل الترفيه التي توفّرها رحلة بسيطة بالترام. إذا حالفك الحظ وجلست بالقرب من السائق، فستبهرك مهاراته القيادية التي لا تقلّ شأنا عن مهارات نابليون الأوّل.
أثناء عبوري القارّة، وصلت من نيويورك إلى سان فرانسيسكو في أربعة أيّام وأربع ليال. تشعر وكأنك تُقذف في الهواء. كانت الرحلة فوق الجسر الخشبي العملاق فوق بحيرة "سولت ليك" الكبرى مثيرة للاهتمام أيضا، وكذلك المساحات الشاسعة المغطّاة بالملح والتي بدت كحقول من الثلج.
وكان عبور سلسلة جبال "سييرا نيفادا" قرب نهاية الرحلة في غاية الروعة والجمال. ذكّرتني بمنطقة سيميرينغ جنوب فيينا. ربّما ليست بنفس القدر من الجمال، لكن سلسلة جبال سييرا أوسع بكثير وقممها أعلى.
بسبب التأخير في نيويورك، تأخّرت في الوصول إلى بيركلي. لم أصل إلى هناك إلا مساء 26 يونيو، وهو اليوم الذي بدأت فيه الدورة الصيفية. كان من المتوقّع أن ألقي محاضرة باللغة الإنغليزية. لكن لم تُتح لي فرصة التحدّث بالإنغليزية خلال الرحلة كما كنت آمل. كان الألمان الذين يجيدون الإنغليزية يعودون دائما إلى لغتهم الأم بعد بضع كلمات، أما الإنغليز الحقيقيون فلم يتحدّثوا على الإطلاق.
جامعة بيركلي، حيث سأدرّس، هي أجمل مكان يمكن تخيّله. الحرم الجامعي عبارة عن حديقة تبلغ مساحتها حوالي كيلومتر مربّع، بأشجار عريقة شهدت مرور قرون أو ربّما آلاف السنين. والمباني جذّابة مع أثاث عصري.
يخيّم على المكان جوّ من التأمّل الفلسفي. بيركلي نفسه هو فيلسوف إنغليزي يحظى بإعجاب كبير، ويُنسب إليه ابتكار المثالية الفلسفية، وهي أعظم حماقة خطرت على عقل بشر. ففلسفة بيركلي تُنكر وجود العالم المادّي من الأساس.
على الرغم من أن بيركلي تقع على نفس خطّ عرض باليرمو، إلا أنها تتعرّض أحيانا في الصيف لرياح باردة قادمة من المحيط الهادئ. وهي أبرد قليلا في الشتاء منها في الصيف. ولكن هذا فقط عندما تمطر. وفي الصيف، لا أثر للمطر على الإطلاق.
كان الطعام جيّدا. لكن يُحظر شرب أو تقديم البيرة أو النبيذ أو المشروبات الروحية منعا باتّا في هذه المدينة. لكنّي لم أرغب في الموت عطشا، لذا خاطرت بشرب الماء، لكن بدون ثلج. ولما سمعت عن متجر ممتاز لبيع النبيذ الكاليفورني في أوكلاند، ذهبت إلى هناك، وتمكّنت من تهريب كميّة من زجاجات النبيذ عبر حدود المدينة. لكن كان عليّ أن أشرب النبيذ بعد العشاء سرّا، حتى كدت أشعر أنني أمارس رذيلة.
في يوم الأحد، الثاني من يوليو، ذهبت لحضور ساعة من الموسيقى المجّانية في المسرح اليوناني. وهذا المسرح هو نسخة طبق الأصل من مسرح سوفوكليس في أثينا، إلا أنه بدا لي أكبر. يُعدّ المدرّج المكشوف مناسبا جدّا لمدينة لا تمطر فيها السماء صيفا، حيث يحجب الضباب الشمس في كثير من الأحيان.
في هذا المسرح، كان من المفترض أن يقود ماهلر سيمفونيته الثالثة مع أوركسترا فيينا الفيلهارمونية، فترتجف الأشجار فرحا، ويزداد المحيط هدوءا وهو يصغي بانتباه.
أما يوم الثلاثاء، الرابع من يوليو، فكان "يوم الاستقلال"، أعظم الأعياد الأمريكية، والذي يُحتفل به سنويّا بالألعاب النارية. شاهدت عروض الألعاب الرائعة من سطح مبنى يطلّ موقعه على منظر بانورامي لخليج سان فرانسيسكو وجسر البوّابة الذهبية وجبل تامالبايس.
في الأسابيع التي تلت ذلك، كنت أُدعى إلى مكان ما كلّ نهاية أسبوع. وكانت الدعوة الأولى إلى قصر السيّدة "فيبي هيرست" الفخم قرب ليفرمور. وأقول بلا مبالغة إن السيّدة هيرست هي جامعة بيركلي.
في أوروبّا، تُعتبر الجامعة رمزا مثاليّا من العصور القديمة. أما في أمريكا، فهي امرأة حقيقية تملك "وهذا جوهر الموضوع" ملايين حقيقية. والسيّدة هيرست تتبرّع سنويّا بملايين الدولارات لتوسيع الجامعة. وبالطبع، تكفّلت هي بنفقات رحلتي إلى أمريكا.
رئيس الجامعة ليس سوى المسؤول التنفيذي لمجلس الأمناء، الذي ترأسه السيّدة هيرست. والوضع أكثر تعقيدا في جامعة ليلاند ستانفورد الأم في بالو ألتو، التي زرتها ليوم واحد. بعد أن أصبح "ليلاند ستانفورد" الأب ثريّا جدّا بفضل بنائه أوّل خطّ سكّة حديد عابر للقارّات، أودى حادث مفاجئ بحياة ابنه الوحيد، الذي جمع الأب ثروته الطائلة من أجله وحده.
ثم وقع هو والسيّدة جين لاثروب ستانفورد، في نوع من الهوس الديني. في أوروبّا، عندما تصاب سيّدة مسنّة بالجنون، تشتري لنفسها عشرات القطط أو ببّغاء. أما هنا، فتستعين بمهندس معماريّ من الطراز الأوّل وتبني جامعة ستكون بلا شكّ نعمة للأجيال القادمة.
وعلى عكس بيركلي، تتميّز جامعة ستانفورد بتصميم موحّد وجذّاب من الناحية المعمارية، ولكنه يبدو لي غير مناسب تماما لغرضها التعليمي. هذه هي مشكلة المهندسين المعماريين في جميع البلدان. كنيسة الجامعة فخمة ومزيّنة بزخارف غنيّة على الجدران والأسقف، مع زجاج ملوّن ومنحوتات.
بعد وفاة زوجها، تولّت السيّدة ستانفورد وحدها إدارة الجامعة لفترة طويلة. ثم توفّيت هي أيضا في فبراير 1905، ولكن ليس قبل أن تخصّص للجامعة في وصيّتها مبلغا وفيراً.
ضيعة هيرست قرب ليفرمور تُعدّ جوهرة تعكس قدرا كبيرا من الفخامة والثراء والذوق الرفيع. استقبلتنا العربات، مع بقيّة ضيوف عطلة نهاية الأسبوع، في محطّة القطار. وانطلقنا عبر بوّابة دخول غريبة إلى حديقة زاخرة بأشجار رائعة وزهور خلابة.
هنا تتجّلى الثروة في وفرة المياه. فعندما لا تبخل كاليفورنيا بالماء، يُزهر الصيف والشتاء بوفرة متساوية. تجوّلنا في هذه الحديقة لفترة طويلة، حيث تطلّ على مناظر رائعة لجبلي ديابلو وهاميلتون. وأخيرا، وصلنا إلى مقرّ الضيافة.
بُني القصر على الطراز البرتغالي المكسيكي، وهو عبارة عن حلقة من المباني تحيط بفناء مغلق ببوّابات حديدية ضخمة. من الواضح أنه نوع من الحصن. الفناء تتوسّطه نافورة رخامية قديمة اشترتها السيّدة هيرست بنفسها من فيرونا.
يتضمّن الهاسيندا "أو المنتجع" كنزا دفينا يضمّ أروع الأعمال الفنّية والتحف النادرة التي اقتنتها السيّدة هيرست من شتى أنحاء العالم القديم والجديد. وهي مزيج فريد من التحف اليونانية والرومانية وتحف العصور الوسطى والمكسيكية والصينية واليابانية والهندية الشرقية.
❉ ❉ ❉
❉ ❉ ❉
وبصفتي الأوروبّي الوحيد على العشاء، جلست على يمين السيّدة هيرست. وبدأ الأمر بتقديم التوت الأسود. ثم جاء دور البطّيخ الذي قامت مضيفتي بتمليحه لي بيديها بطريقة شهية للغاية. ثم جاء دور "دقيق الشوفان"، وهو معجون لا يوصف، ربّما يُستخدم في فيينا لتسمين الإوزّ. لكنّي أشكّ في أن إوزّ فيينا سيأكله.
وقد لاحظتُ نظرة استياء على وجه السيّدة عندما اعتذرتُ عن قبول الشوفان. إنها فخورة بمطبخها. وهذا هو الجانب المظلم من دعوة العشاء في منزل أمريكي. في أيّ مطعم، يُسمح لك بترك ما لا تستطيع أكله. لكن ماذا تفعل مع سيّدة المنزل التي تفخر بأمريكيّتها؟
بعد العشاء، توجّهنا إلى غرفة الموسيقى. يا له من ديكور باروكي رائع! لا أعرف قاعة حفلات صغيرة أجمل منها في فيينا. بعد أن وصلتْ أنباء عزفي المتواضع على البيانو إلى القصر، طُلب مني افتتاح الحفل. وبعد مقاومة بسيطة، جلست أمام البيانو الكبير، وهو من طراز شتاينواي الفاخر.
لم أتوقّع شيئا مميّزا، لكنّي ضغطت على وتر. ربّما سمعت أذناي من قبل بيانو بهذه النغمة الرائعة في حفل موسيقي، لكن أصابعي لم تلمسه من قبل بالتأكيد. عزفتُ سوناتا لشوبيرت. في البداية، شعرت بأن استجابة المفاتيح غريبة بعض الشيء. لكن ما أسرع ما يعتاد المرء على شيء جيّد حقّا! كان أحد الضيوف في تلك الأمسية أستاذا للموسيقى في ميلووكي، رجلا ذا هيبة عسكرية. ولا شكّ أنه صيّاد دِببة بارع.
خُصّصت عطلة نهاية الأسبوع التالية لـ "مرصد ليك". بعد ظهر يوم الجمعة، ركبت القطار إلى بلدة سان خوسيه الصغيرة الودودة، بشوارعها المزدانة بأشجار النخيل التي تظلّل الترام والسيّارات والدراجات الهوائية والمشاة.
في تمام الساعة السابعة من صباح اليوم التالي، انطلقتُ في عربة بريد قديمة نوعا ما إلى جبل هاميلتون. الطريق مُريح، يصعد ببطء وسلاسة في منعطفات متعرّجة عبر كروم العنب وبساتين الفاكهة وصولا إلى الغابات والمروج حيث لا تجد الماشية، في هذا الوقت من العام، سوى التبن لتأكله. أما في الشتاء، فتتغذّى على العشب الطازج.
وصلنا إلى المرصد على القمّة حوالي الساعة الواحدة والنصف بعد الظهر. كان المدير وكبار الموظّفين يستعدّون لرصد الكسوف الكلّي للشمس. أكثر الأدوات إثارةً للإعجاب هو التلسكوب العملاق الذي منحَنا أحد أهمّ الاكتشافات الفلكية في العصر الحديث: قمري المرّيخ.
يرقد المواطن جيمس ليك، الذي بنى المرصد بأكمله من ماله الخاص، مدفونا داخل الرصيف العملاق الذي يرتكز عليه التلسكوب. أليس هذا مثاليّا؟ لا شكّ أنه كان يعلم أنه لن يغيّر مكان دفنه شيئا. لكنه أراد أن يُري العالم مثالا مؤثّرا لما يجب أن يكون عليه الهدف النهائي للمليونير. حقّا، لقد اشترى لنفسه الخلود. لو كنت شاعرا، لوصفت كيف يلتقي شيلر بـ ليك في الجنّة، ولأسميتُ القصيدة "المثاليّان".
المال لا يشتري كلّ شيء بالتأكيد. لكنه يمكن أن يشتري بيانو شتاينواي كبير، وكمانا من صنع أماتي، ولوحة لبوكلين، والآن.. الخلود.
أُخذت في جولة في جميع غرف المرصد. كلّ منطقة من الكرة السماويّة لها خزانتها الخاصّة. وفي كلّ خزانة، لكلّ نجم درج خاصّ به، بحيث يمكن استرجاع جميع الملاحظات بسهولة. ومع وجود الكثير مما يجب القيام به، ليس من المستغرب أن علماء الفلك لا يشعرون بالملل على قمّة هذا الجبل المنعزل. كما أنه من البديهي أن يضمّ الطاقم عالمات فلك جذّابات.
بعد غروب الشمس، رأينا المرّيخ من خلال التلسكوب الضخم، كبيراً ومضيئاً، يشبه القمر تقريبا. ثم شققنا طريقنا عائدين إلى الوادي. وبينما كنّا نهبط، قَدّم لنا سقف الضباب المفاجئ مشهدا غير عادي. فوقنا كانت السماء المرصّعة بالنجوم، وتحتنا امتدّ الضباب، منتشرا كسطح البحر. بهزّة واحدة، غمرت المياه حافلتنا. وفي لحظة، اختفت النجوم ولم يعد ضوء فانوسنا يصل إلا لبضعة أمتار أمامنا.
صحيح أن بعض الإنجازات في العلوم تحقّقت بفضل جهود جبّارة، كما رأينا في مرصد ليك. لكن التقدّم العلمي العظيم حقّا يتحقّق دائما بأقلّ الإمكانيات. لا شكّ أن قيادة ملايين البشر في مشاريع وطنية عظيمة، وقيادة مائة ألف إلى النصر في معركة، أمر رائع. لكن يبدو لي أن اكتشاف حقائق جوهرية في غرفة بسيطة للغاية وبوسائل متواضعة جدّا، لهوَ أعظم من ذلك بكثير.
من بين كلّ ما أنجزه الإغريق والرومان، ما الذي بقي اليوم بكامل حيويته، أغنى وأقوى من أيّ وقت مضى؟ الجيل الأخير الذي يقرأ هوميروس أو سوفوكليس للمتعة آخذ في الزوال. لكن نظرية فيثاغوراس ومبدأ أرخميدس خالدان حقّا. هذه هي آرائي العامّة.
أخذني القطار بعيدا، مرورا ببورتلاند ويلوستون وشيكاغو ونيويورك. وحظيتُ أثناء رحلة العودة عبر المحيط بطقس رائع. أعاد الطعام الجيّد على متن السفينة تأهيل معدتي تماما. لم أشرب قطرة ماء واحدة، وشربت القليل جدّا من البيرة. الشيء الجيّد في التواجد في البحر هو أنه إذا ترنّحت قليلا أثناء المشي، فإن الجميع سيعزون ذلك إلى تمايل السفينة.
لم يتبقَّ سوى رحلة قصيرة بالقطار من بريمن إلى فيينا، ثم جولة أنيقة في عربة تجرّها الخيول، لأكون في بيتي. رحلة كهذه كانت تخبّئ الكثير من الأشياء الشيّقة والرائعة. كاليفورنيا جميلة وجبل شاستا مُهيب ويلوستون ساحر. لكن أجمل ما في الأمر، بلا شك، هو لحظة العودة إلى الوطن.
وقد لاحظتُ نظرة استياء على وجه السيّدة عندما اعتذرتُ عن قبول الشوفان. إنها فخورة بمطبخها. وهذا هو الجانب المظلم من دعوة العشاء في منزل أمريكي. في أيّ مطعم، يُسمح لك بترك ما لا تستطيع أكله. لكن ماذا تفعل مع سيّدة المنزل التي تفخر بأمريكيّتها؟
بعد العشاء، توجّهنا إلى غرفة الموسيقى. يا له من ديكور باروكي رائع! لا أعرف قاعة حفلات صغيرة أجمل منها في فيينا. بعد أن وصلتْ أنباء عزفي المتواضع على البيانو إلى القصر، طُلب مني افتتاح الحفل. وبعد مقاومة بسيطة، جلست أمام البيانو الكبير، وهو من طراز شتاينواي الفاخر.
لم أتوقّع شيئا مميّزا، لكنّي ضغطت على وتر. ربّما سمعت أذناي من قبل بيانو بهذه النغمة الرائعة في حفل موسيقي، لكن أصابعي لم تلمسه من قبل بالتأكيد. عزفتُ سوناتا لشوبيرت. في البداية، شعرت بأن استجابة المفاتيح غريبة بعض الشيء. لكن ما أسرع ما يعتاد المرء على شيء جيّد حقّا! كان أحد الضيوف في تلك الأمسية أستاذا للموسيقى في ميلووكي، رجلا ذا هيبة عسكرية. ولا شكّ أنه صيّاد دِببة بارع.
خُصّصت عطلة نهاية الأسبوع التالية لـ "مرصد ليك". بعد ظهر يوم الجمعة، ركبت القطار إلى بلدة سان خوسيه الصغيرة الودودة، بشوارعها المزدانة بأشجار النخيل التي تظلّل الترام والسيّارات والدراجات الهوائية والمشاة.
في تمام الساعة السابعة من صباح اليوم التالي، انطلقتُ في عربة بريد قديمة نوعا ما إلى جبل هاميلتون. الطريق مُريح، يصعد ببطء وسلاسة في منعطفات متعرّجة عبر كروم العنب وبساتين الفاكهة وصولا إلى الغابات والمروج حيث لا تجد الماشية، في هذا الوقت من العام، سوى التبن لتأكله. أما في الشتاء، فتتغذّى على العشب الطازج.
وصلنا إلى المرصد على القمّة حوالي الساعة الواحدة والنصف بعد الظهر. كان المدير وكبار الموظّفين يستعدّون لرصد الكسوف الكلّي للشمس. أكثر الأدوات إثارةً للإعجاب هو التلسكوب العملاق الذي منحَنا أحد أهمّ الاكتشافات الفلكية في العصر الحديث: قمري المرّيخ.
يرقد المواطن جيمس ليك، الذي بنى المرصد بأكمله من ماله الخاص، مدفونا داخل الرصيف العملاق الذي يرتكز عليه التلسكوب. أليس هذا مثاليّا؟ لا شكّ أنه كان يعلم أنه لن يغيّر مكان دفنه شيئا. لكنه أراد أن يُري العالم مثالا مؤثّرا لما يجب أن يكون عليه الهدف النهائي للمليونير. حقّا، لقد اشترى لنفسه الخلود. لو كنت شاعرا، لوصفت كيف يلتقي شيلر بـ ليك في الجنّة، ولأسميتُ القصيدة "المثاليّان".
المال لا يشتري كلّ شيء بالتأكيد. لكنه يمكن أن يشتري بيانو شتاينواي كبير، وكمانا من صنع أماتي، ولوحة لبوكلين، والآن.. الخلود.
أُخذت في جولة في جميع غرف المرصد. كلّ منطقة من الكرة السماويّة لها خزانتها الخاصّة. وفي كلّ خزانة، لكلّ نجم درج خاصّ به، بحيث يمكن استرجاع جميع الملاحظات بسهولة. ومع وجود الكثير مما يجب القيام به، ليس من المستغرب أن علماء الفلك لا يشعرون بالملل على قمّة هذا الجبل المنعزل. كما أنه من البديهي أن يضمّ الطاقم عالمات فلك جذّابات.
بعد غروب الشمس، رأينا المرّيخ من خلال التلسكوب الضخم، كبيراً ومضيئاً، يشبه القمر تقريبا. ثم شققنا طريقنا عائدين إلى الوادي. وبينما كنّا نهبط، قَدّم لنا سقف الضباب المفاجئ مشهدا غير عادي. فوقنا كانت السماء المرصّعة بالنجوم، وتحتنا امتدّ الضباب، منتشرا كسطح البحر. بهزّة واحدة، غمرت المياه حافلتنا. وفي لحظة، اختفت النجوم ولم يعد ضوء فانوسنا يصل إلا لبضعة أمتار أمامنا.
صحيح أن بعض الإنجازات في العلوم تحقّقت بفضل جهود جبّارة، كما رأينا في مرصد ليك. لكن التقدّم العلمي العظيم حقّا يتحقّق دائما بأقلّ الإمكانيات. لا شكّ أن قيادة ملايين البشر في مشاريع وطنية عظيمة، وقيادة مائة ألف إلى النصر في معركة، أمر رائع. لكن يبدو لي أن اكتشاف حقائق جوهرية في غرفة بسيطة للغاية وبوسائل متواضعة جدّا، لهوَ أعظم من ذلك بكثير.
من بين كلّ ما أنجزه الإغريق والرومان، ما الذي بقي اليوم بكامل حيويته، أغنى وأقوى من أيّ وقت مضى؟ الجيل الأخير الذي يقرأ هوميروس أو سوفوكليس للمتعة آخذ في الزوال. لكن نظرية فيثاغوراس ومبدأ أرخميدس خالدان حقّا. هذه هي آرائي العامّة.
أخذني القطار بعيدا، مرورا ببورتلاند ويلوستون وشيكاغو ونيويورك. وحظيتُ أثناء رحلة العودة عبر المحيط بطقس رائع. أعاد الطعام الجيّد على متن السفينة تأهيل معدتي تماما. لم أشرب قطرة ماء واحدة، وشربت القليل جدّا من البيرة. الشيء الجيّد في التواجد في البحر هو أنه إذا ترنّحت قليلا أثناء المشي، فإن الجميع سيعزون ذلك إلى تمايل السفينة.
لم يتبقَّ سوى رحلة قصيرة بالقطار من بريمن إلى فيينا، ثم جولة أنيقة في عربة تجرّها الخيول، لأكون في بيتي. رحلة كهذه كانت تخبّئ الكثير من الأشياء الشيّقة والرائعة. كاليفورنيا جميلة وجبل شاستا مُهيب ويلوستون ساحر. لكن أجمل ما في الأمر، بلا شك، هو لحظة العودة إلى الوطن.
Credits
archive.org
archive.org

