المشاركات

خواطر في الأدب والفن

صورة
لغة الفنّ في بعض الأحيان غامضة. وقد تبدو التلميحات، التي تأخذ هيئة زهور وفواكه وحيوانات وأشياء أخرى، واضحة للعيان، إلا أن معناها لا يُفهم إلا إذا عرفتَ الإشارات التي تبحث عنها. وإحدى متع النظر إلى الفنّ هي اكتشاف نيّة خفيّة في اللوحة، لا تظهر إلا بعد تحديد رموزها وفكّ طلاسمها. خذ الليمون مثلا. لطالما كانت هذه الفاكهة موضوعا جذّابا للرسّامين نظرا لقدرتها على لعب دور مزدوج. فالليمون ممتلئ ونابض بالحياة من الخارج، ولكنه يحمل في طيّاته مرارة لاذعة وشيئا من اللذّة في الوقت نفسه. لذا فإن وجود الليمون في لوحة فنّية ينبغي أن ينبّهنا إلى فكرتين متعارضتين: أن الحياة قد تكون رائعة وطريّة، ولكنها قد تكون أيضا مشبعة بالمرارة. وللتأكيد على هذه النقطة، غالبا ما يصوَّر الليمون في الرسم وهو شبه مقشَّر، حيث يتلوّى قشره على حافّة طبق لامع، كما في لوحات بعض الرسّامين الهولنديين القدامى. كانت رسومات الطبيعة الصامتة الهولندية تفضّل الليمون كموضوع رئيس. ويبدو أن هذه الفاكهة كانت رائجة ومطلوبة في المجتمع الهولنديّ في القرن السابع عشر، ما جعلها نادرة ومألوفة في آن. ولأن الليمون غريب بما يكفي، فقد ...

خواطر في الأدب والفن

صورة
عاش الشاعر "هان شان" في عهد أسرة تانغ الصينية المزدهرة، ويُعتبر من بين أهمّ شعرائها المتميّزين، وكان معاصرا للشاعرين المشهورين لي باي و دو فو. وعلى الرغم من أنه لم يكن معروفا أثناء حياته، إلا أن شهرته نمت بعد وفاته واستمرّت لآلاف السنين وحتى اليوم. ويقال إن هان شان فشل عدّة مرّات في العثور على وظيفة مناسبة في العاصمة، وفي النهاية لم يعد لديه ما يدفعه للعودة إلى بلدته. وقد لامه إخوته على سوء حظّه كما تجاهلته زوجته. ولمّا أحسّ بأن عالمه كلّه قد انهار وبأن حياته بدأت تغرق في اليأس، قطع كلّ علاقاته الإنسانية وسافر لوحده حاملاً معه الكثير من الذكريات المؤلمة. وفي النهاية اختار العيش وحيدا كناسك في الجبال. ولم يكن لديه مكان ثابت يعيش فيه، لذا كان يتجوّل بين الغابات والجبال، وكتب في عزلته الكثير من الأشعار، وأشهرها قصائد "الجبل البارد". فيما يلي بعض تلك القصائد بترجمتي مع بعض التصرّف.. ◦ تجري المياه على الدوام في الجدول المنعزل، والرياح تهزّ أشجار الصنوبر الطويلة. عندما تجلس هناك نصف يوم، ستنسى مائة عام من الحزن. الزهور جميلة في الفصل الرابع من العام، ولك...

سينيكا في العالم المعاصر

صورة
في كتابه "إفطار مع سينيكا: دليل رواقيّ لفنّ العيش"، يشير الفيلسوف ديڤيد فيدلر إلى أنه لم يكتشف الفيلسوف الروماني إلا في مرحلة متأخّرة من حياته وأن ما أعجبه فيه، إلى جانب كونه كاتبا عظيما، هو أنه يركّز على قضايا الحياة الواقعية، مثل كيف تتعامل مع الحزن عند وفاة أحد الأحبّة، وكيف تتعامل مع الهموم أو الأفكار المقلقة، حتى تتمكّن من العودة إلى عيش اللحظة بسلام. وما هي الصداقة الحقيقية، ولماذا تعدّ مهمّة جدّا؟ وكيف يمكننا أن نساهم في خدمة المجتمع؟ ويضيف المؤلّف: منذ سنوات أصبحتْ قراءة سينيكا كلّ صباح بداية رائعة ليومي. وكلّ ما كتبه خالد وباقٍ وما يزال يؤثّر فينا الى اليوم. وهذا ما يجعله يبدو معاصرا. ولأنه كان يتمتّع ببصيرة عميقة في علم النفس البشري، فإن الكثير من قرّاء سينيكا يشعرون بأنه مرشدهم الحكيم. صحيح انه مات منذ مئات السنين، لكن أفكاره ما تزال حيّة الى اليوم. كان خبيرا في البلاغة، وكان يكتب بأسلوب أدبيّ فريد قلّده آخرون، بدءا من عصر النهضة الإيطالية إلى رالف إيمرسون. وهذا الأسلوب الجذّاب هو ما يجعل كتاباته آسرة". على مدى الألفي عام الماضية، شهد عالمنا تطوّرا...

خواطر في الأدب والفن

صورة
بعض اللوحات تصبح رمزية لدرجة يصعب معها تذكّر أنها أعمال رسم. ومن الأعمال التي يصدق عليها هذا الوصف لوحة "القبلة" لغوستاڤ كليمت. فبسبب شعبيّتها الدائمة وتأثيرها الثقافي وإعادة إنتاجها وتقليدها على نطاق واسع على مرّ السنين، ارتقت "أو ربّما انحدرت!" اللوحة إلى عالم لا علاقة له إطلاقا بالسياق الذي رُسمت فيه. موضوع اللوحة شخصان متشابكان، رجل وامرأة، يقطران ذهباً منصهراً. الرجل الذي لا يُرى وجهه يحتضن المرأة ويقبّل وجنتها، بينما عيناها مغمضتان وتعابير وجهها جامدة. وهي تلفّ يديها حول عنقه وتتشبّث بيده عند رقبتها. بعض النقّاد لاحظوا أن جسد الرجل الذهبي مزيّن بأشكال مستطيلة، بينما جسد المرأة تمثّله أشكال منحنية، وفي هذا استعادة للأشكال الذكورية والأنثوية الكلاسيكية. كما لاحظوا أن هناك شيئا من الاستبداد والعنف في عناق الرجل وشيئا من العجز واليأس والاستسلام من جهة المرأة. هل هي فاقدة للوعي أم أن عينيها مغمضتان في سعادة غامرة؟ هل تردّ عناق الرجل أم تحاول انتزاع يديه؟ كلّما تأمّلتَ هذه الصورة الأيقونية لفترة أطول، أصبحتْ أكثر قتامةً. وهي تدعونا لتحدّي تصوّراتنا المسبق...

خواطر في الأدب والفن

صورة
الحزن على فقد إنسان عزيز ورائع لا يجب أن يفوق الفرحة بمعرفته. لا أعرف من صاحب هذه المقولة المعبّرة، لكنّي قرأتها في مكان ما وحرصت على حفظها ومحاولة تمثّلها. فهي تساعدنا على تذكّر الأوقات الجميلة والإيمان بأن من نحبّهم ممّن رحلوا عنّا سيظلّون دائما معنا وستبقى ذكراهم العطرة حيّة في قلوبنا حتى نهاية الحياة. ❉ ❉ ❉ ولد موسى أساريد في الصحراء الكبرى. كان راعيا لإبل والده قبل أن ينتقل الى باريس. وهو اليوم يدرس إدارة الأعمال في جامعة مونبلييه. في حديث معه، تناول أساريد طبيعة العيش في الصحراء وقارنها بالحياة في عاصمة اوربّية كبيرة فقال: عندما كنت صغيرا، أقنعت والدي بالسماح لي بالذهاب إلى المدرسة. كلّ يوم تقريبا كنت أمشي مسافة 15 كيلومترا. وذات يوم أعطاني المعلّم سريراً لأنام عليه وتكفّلَ شخص آخر بإطعامي. أنا من الطوارق، مسلم بلا تعصّب. أرتدي العمامة، وهي نسيج قطني ناعم يسمح لك بتغطية وجهك في الصحراء عندما تهبّ الرمال، وفي نفس الوقت يمكنك من خلاله الرؤية والتنفّس. إنه أزرق وجميل. وبالنسبة للطوارق، الأزرق هو لون العالم ولون السماء ولون سقف بيتنا. ال...

خواطر في الأدب والفن

صورة
من نصائح رجل حكيم: إذا قارنت نفسك بالآخرين، فقد تصبح مغرورا أو متذمّرا، لأنه دائما ما يكون هناك من هو أعظم منك ومن هو أدنى. تجنّب الأشخاص الصاخبين والعدوانيين، فهم مزعجون للروح. استمتع بإنجازاتك وخططك. وحافظ على اهتمامك بمسيرتك المهنية مهما كانت متواضعة، فهي ثروة حقيقية في ظلّ تقلّبات الزمن. تَوخَّ الحذر في أعمالك، فالدنيا مليئة بالخداع. ولا تدع هذا يصرفك عن الفضيلة، فكثيرون يسعون إلى مُثل عليا، والحياة في كلّ مكان مليئة بالبطولات. كن على سجيّتك. لا تتظاهر بالحبّ ولا تستخف به، فهو دائم الخضرة كالعشب في وجه كلّ جفاف وخيبة أمل. غذِّ قوّة روحك لتحميك من المصائب المفاجئة. لكن لا ترهق نفسك بأوهام قاتمة، فكثير من المخاوف تولد من التعب والوحدة. وإلى جانب الانضباط السليم، كن لطيفا مع نفسك. أنت ابن هذه الأرض، تماما كالأشجار والجبال، ولك الحقّ في أن تكون هنا. انطلقْ بهدوء وسط الضجيج والعجلة، وتذكّر أن الهدوء قد يكون في الصمت. وكن على وفاق مع الجميع قدر الإمكان ودون خضوع. تحدّث عن حقيقتك بهدوء ووضوح واستمع إلى الآخرين، حتى البلداء والجهلاء منهم. وسواء أكان الأمر واضحا لك أم لا، ف...

خواطر في الأدب والفن

صورة
هل كان لأفكار فريدريش نيتشه أثر في صعود هتلر والحزب النازي الى السلطة وما جرّه ذلك من كوارث ومآسي على ألمانيا والعالم؟ يجيب الكاتب ريتشارد غِيب على هذا السؤال بقوله: من الخطأ إلقاء اللوم على نيتشه أو هيغل بسبب خطايا ألمانيا في القرن العشرين، لأن في هذا تبسيطا مُخِلاّ لما حدث. فكلا الرجلين كانا من أهل الأدب، وكانا يتجنّبان العنف والقسوة المطلقين. وإذا فُهمتَ أفكارهما في سياقها التاريخي الصحيح، فستدرك أنهما كانا يسعيان إلى تحقيق ما اعتبراه خيراً أعظم. "السوبرمان أو الإنسان الخارق"النيتشوي ومفهوم هيغل عن وحدة الفكرة المطلقة كلاهما حجّة لبشرية متطوّرة ومستنيرة. لكن المشكلة تكمن في أن أفكار هذين الفيلسوفين المحنّكين قُرئت وفسّرت من قِبَل أشخاص رأوا فيها ما هو مهمّ لهم. ففي سياقها الإنساني، غالبا ما تُشوّه الأفكار وتُستخدم لأغراض أنانية. وهذه مشكلةٌ رئيسيةٌ للمثقّفين، فهم يفتقرون إلى الحسّ السليم عن العالم الخارجي، وأفكارهم تصبح هشّةٌ للغاية في سياق المال والحرب والسلطة. وعند انتزاع الفكر ومحاولة تطبيقه في عالم البشرية المعيب، فغالبا ما تُقتل روح الشيء، ما يؤدّي إلى نتائ...