خواطر في الأدب والفن


من الرائع حقّا أن ندرك مدى سرعة العقل في "رؤية" ما يحتاج لرؤيته. الباحث الأمريكي في الدراسات السلوكية راي هيربرت كتب مقالا يتحدّث فيه عن طريقة معالجة الدماغ لما يراه في الطبيعة، وكيف أن الإنسان، ومن خلال نظرة سريعة وعابرة، يمكنه استنباط أكثر المعلومات قيمة وأهمّية بفضل تطوّر الدماغ عبر العصور.
يقول الكاتب: تخيّل، مثلا، أنك وصلت بالحافلة إلى بقعة من الطبيعة لم تذهب إليها من قبل. تترجّل ثم تبدأ بالنظر حولك. ما الذي ستلاحظه للوهلة الأولى؟ في البداية، لا يمكنك أن تتجاهل البحيرة الكبيرة الممتدّة أمامك. قد يكون التزلّج على الماء باعثا للمتعة هنا. ثم هناك الجبال المغطّاة بالثلوج والتي تلوح من مسافة. وهناك أيضا مجموعة الأشجار البرّية التي تقوم إلى اليسار. الطقس في المكان يبدو مثاليا والطبيعة مضيافة.
والآن تخيّل أنك مجرم هارب من العدالة وأنك تخطو خارج تلك الحافلة إلى المكان نفسه. ما الذي ستراه؟ في الغالب سترى مساحة واسعة ومفتوحة. وباستثناء تلك المجموعة الصغيرة من الأشجار، لا توجد هنا العديد من الأماكن التي تصلح للاختباء. سيداهمك شعور بالانكشاف والضعف. الماء يصبح مجرّد عقبة بينك وبين الحرّية التي يمكن أن تظفر بها في الجبل الذي يقع إلى الخلف. ستسأل نفسك إن كان يوجد ممرّ يقود إلى الجبل. ستلاحظ وجود بنيان من صنع الإنسان، وستعتبره تهديدا دائما لك.
المنظر الطبيعي نفسه، لكن من منظورين مختلفين وفي لمحة سريعة. هذا هو بالضبط ما يمكن أن يراه السائح والمجرم في الواقع. والسبب في ذلك يعود إلى أن الرؤية مسألة متجذّرة بشكل حميمي في مخاوفنا وفي استراتيجياتنا القديمة من أجل البقاء. أدمغتنا ظلّت تتطوّر دائما عندما كانت هناك مخاطر تهدّد الإنسان في كلّ مكان. لذا فنحن مهيّئون تماما لاستخراج أكثر المعلومات معنى وأهمية من خلال اللمحة الخاطفة.
النظرة الطويلة والعالقة قد تكون قاتلة أحيانا. المحكومون الهاربون "مثل أسلافنا القدامى" لم يكونوا يملكون ترف ملاحظة التفاصيل، كالأشجار أو البحيرات والجبال. الحاجة والرغبة في الأمان تنسخ كلّ التفاصيل الأخرى في عين العقل.
ثم يضيف الكاتب أن اليقظة والحذر عنصران منزرعان في أعماق خلايانا العصبية. وهذه هي النظرية التي يختبرها الآن بعض العلماء الذين يريدون أن يستكشفوا كيف نرى العالم الطبيعي في جزء من الثانية عند أوّل تماسّ لنا مع الطبيعة. وما هي المعلومات الضرورية والمميّزة جدّا بحيث يلزم معالجتها على الفور. ثمّ ما هي المعلومات التي تضاف في وقت لاحق ونحن نواصل استكشاف الأرض الجديدة؟
علماء النفس الذين يدرسون هذه المسألة طلبوا من مجموعة من المتطوّعين النظر إلى مئات الصور الفوتوغرافية الملوّنة لمشاهَد طبيعية مختلفة. ثم طلبوا من قسم منهم تصنيف تلك المناظر وفقا للسمات الجغرافية الشائعة، مثل المحيطات والغابات والحقول والأنهار. بينما طلبوا من الآخرين تصنيف تلك المناظر بحسب مميّزات البقاء الأساسية، مثل سهولة التنقّل والانفتاح ودرجة الحرارة.
وبعد ذلك احتسب الباحثون كم من الوقت لزم المتطوّعين لتصنيف كلّ ملمح وصولا إلى جزء من الثانية. واتّضح في النهاية أن مميّزات البقاء تمّت معالجتها بشكل فوريّ تقريبا، وبسرعة تسعة عشر جزءا من الألف في الثانية. والسمات الجغرافية تمّت معالجتها، هي أيضا، ولكن بسرعة أبطأ نسبيا مقارنة مع التصوّر التلقائي عن الأشياء، كالمساحات المفتوحة وطرق الهرب.
وقد ثبت علميا، والكلام ما يزال لـ هيربرت، أن دماغ الإنسان يكون في أسرع حالاته عندما يصنّف أيّ منظر طبيعي على انه "طبيعة"، مقابل تلك المناظر التي هي من صنع الإنسان.
على ما يبدو، فإنه، وعلى مرّ دهور من التطوّر، ارتبط الدماغ ارتباطا وثيقا بعالم الطبيعة. ولكنه لم يرتبط بعد، بنفس القدر، بالعالم المتحضّر الذي ما يزال يحتاج إلى تحليل أبطأ لفهمه. ولهذا، بإمكان الإنسان أن يعرف أن المنظر الذي أمامه هو منظر طبيعي حتى قبل أن "يرى" الجبال والمروج والشلالات التي تمنحه "طبيعيّته".

❉ ❉ ❉

❉ ❉ ❉

منذ أيّام، سألني صديق عن مغزى اختياري لونا زهريا كخلفيّة للمدوّنة. أجبت: اللون الزهري يظلّ لونا مفضّلا عند الكثيرين، سواءً كانوا رجالا أو نساءً، لأنه يتميّز بهدوئه ورقّته كما انه يبعث على الراحة والاسترخاء. والملاحظ أن هذا اللون هو عبارة عن مزيج من الأبيض والأحمر. وكلّما زدت من كمّية الأحمر فيه كلّما ازداد توهّجا وحيوية.
وقد قرأت مرّة أن السجون تستخدم طبقة من هذا اللون لتخفيف نزعة السجناء إلى العنف. والمواقع الإليكترونية الخاصّة بالمؤسّسات الأكاديمية تستخدم عادة ظلالا وسيطة من الزهري بسبب خصائصه المتعلّقة بالتفكير العقلي والانجاز.
وكنت قد لاحظت قبل ذلك أن الناس يركّزون على لون معيّن باعتباره موضة غالبة. لكن عندما انظر إلى بعض الألوان الرائجة، يساورني إحساس أنها لا تثير أيّ إعجاب أو حماس، بل كثيرا ما أرى فيها اختيارا شاذّا.
بعض علماء النفس يفسّرون هذه الظاهرة بالقول إن هناك بعض الألوان التي يصحّ اعتبارها مضادّة لمعايير الجمال السائدة. لكنها قد تأسر اهتمام الناس أكثر من تلك المعروفة بجاذبيّتها وشيوعها. إذن، المسألة سيكولوجية في الأساس. ولعلّ البعض منّا يتذكّر شغف الناس بالأخضر الليموني رغم انه قد لا يعجب الكثيرين.
الشاهد هنا هو أن الناس عادة ما يختارون أشياء غير مألوفة على سبيل الرغبة في التغيير ومخالفة السائد. وتلك نزعة ظلّت سائدة في الفنّ منذ قرون.
في الأيّام الأخيرة، أصبحت اهتمّ بتعلّم أبجديات تصميم المواقع الاليكترونية وأسرار الألوان. واكتشفت أنني ادخل عالما مشوّقا ومثيرا. وقد قرأت عن هذا الجانب الكثير، لا لكي أصبح مصمّما، بل على سبيل اكتساب بعض الفائدة والمعرفة وعلى أساس أن العلم بالشيء أفضل من الجهل به. واكتشفت أن تصميم المواقع مهمّة تتطلّب قدرا من الخبرة والذوق الرفيع، وأن اختيار لون لموقع اليكتروني هو من أصعب الأمور وأعقدها.
اللون له تأثير كبير على الموقع ككلّ، رغم انه في النهاية ليس سوى عنصر واحد من عناصر أخرى متعدّدة تحكم عملية تصميم المواقع. واختيار اللون لا يخضع للمزاج أو الذوق الشخصي، بل تحدّده طبيعة الموقع واهتماماته والفئة التي يستهدفها. كما أن هناك عوامل سيكولوجية تحكم عملية اختيار الألوان التي توصل الرسالة الصحيحة عن الموقع.
الألوان والمواقع الالكترونية موضوع واسع جدّا. وهناك قاعدة تقول إن التصميم الجميل لا يمكن أن يعوّض عن المضمون السطحي. كما أن المضمون الثريّ لا يليق به تصميم ضعيف. واختيار ألوان الخطوط والخلفيات أمر لا يقلّ أهمية. وهناك نصيحة ذهبية تقول: في كلّ الأحوال، تجنّب النصّ الأبيض على خلفية سوداء، إلا إذا كنت تريد إبعاد الزوّار عن موقعك. وعلى ذكر اللون الأسود، لاحظت انه أصبح منتشرا بكثرة هذه الأيّام.
لعلّ السبب يكمن في خصائص هذا اللون الذي يعكس انفعالات متعدّدة ومتباينة. فهو مثلا يرمز إلى السلطة والحماية والغموض والموت والثروة والموضة والمكانة العالية. شركات السيّارات تستخدمه غالبا في مواقعها على الانترنت لأنه يوصل إحساسا بالتطوّر والرفاهية والأناقة.
شخصيا، أميل إلى اللون الأزرق. هو لون السماء والبحر. كما انه يرمز إلى الاستقرار والثقة والوفاء والحكمة والهدوء. وهو لون تفضّله الشركات الكبرى، خاصّة تلك التي تتعامل مع منتجات التكنولوجيا. شركات الطيران أيضا تميل إلى استخدامه في مواقعها لأنه يتماهى مع لون السماء.
كما أن المواقع التي تُعنى بالقانون والسفر البحري تستخدم تدرّجات خفيفة منه. وفي الحقيقة يندر أن تجد شخصا لا يحبّ هذا اللون. لكن المشكلة انه انتشر كثيرا في السنوات الأخيرة لدرجة انه أصبح مملا بعض الشيء.
غير أن أهمّ ما تعلّمته في هذه التجربة هو أن أجمل الألوان، سواءً تعلّق الأمر بالملابس أو الديكور أو حتّى بتصميم المواقع الاليكترونية، هي تلك الألوان الموجودة في الطبيعة. بعض صور الطبيعة هي أبلغ من أيّ كلام يمكن أن يقال لوصفها. الغريب أننا لا نفطن إلى هذه الحقيقة بحكم أننا ألفنا النظر العابر والسريع إلى الأشياء.
الآن صرت اقضي وقتا أطول في ملاحظة هذه الصور ومحاولة اكتشاف الجماليات المتعلّقة بمزج وتناغم الألوان فيها. وبعض مناظر الطبيعة هي بلا مبالغة تحف فنّية إذا ما تأمّلت ألوانها وتفاصيلها عن قرب. وهي تملأ الروح والعين معاً.

❉ ❉ ❉

عاش الرسّام لي موثيس طفولته في أحضان المحيط، وحفظت ذاكرته صور البحيرات والشواطئ والمروج الخضراء التي لم تبرح مخيّلته. وبعض لوحاته هي من نسج عالم متخيل، والبعض الآخر مستوحى من عالم الطبيعة الحيّ.
والفنّان يتعامل مع تفاصيل الطبيعة وكأنها جزء من بيته الخاص، فالشرفات مشرعة على الموج والشطآن، والأزهار جزء لا يتجزأ من سمفونية العناق الأبدي بين الشمس والبحر، وكأن الرسّام يريد الإيحاء بأنه كلّما امتزجنا بالطبيعة اكثر واستشعرنا مواطن الحسن فيها، أصبحت عناصرها اكثر فاكثر جزءا صميميا من واقعنا الحياتي الحميم.
كلّ لوحة من لوحات موثيس تعكس بصدق حبّ مبدعها للطبيعة وافتتانه بها وإحساسه الفائق بمكامن الجمال فيها.

Credits
archive.org
oceansanddreams.com

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أبو بكر سالم: صورة الفنّان

الأزرق: تاريخ لون

لقاء بين امرأة وطائر 1 من 2