زواج في السهوب/2
خلال الشهرين الأوّلين من رحلة الأميرة تشاو الى بلاد الأويغور، حين كان الطقس لا يزال معتدلا والمناظر الطبيعية تتسم ببعض التنوّع، كانت مراحل الرحلة تمضي بسرعة نسبية. وعند وصولها إلى كلّ محطّة توقّف، تكون خيمة الأميرة قد نُصبت بالفعل، وفُرش بداخلها السجّاد ووضعت الطاولات والكراسي الصغيرة. وكان يقدّم لها الماء للاغتسال، والشاي الطازج، وأصناف متنوّعة من المأكولات الشهيّة.
وفي أمسيات كثيرة، كانت الأميرة تعزف على آلة الزيثار أو تحاول نظم شعر تتغنّى فيه بجمال الطبيعة أو تعبّر عن شعورها بالحنين إلى الوطن، وهما موضوعان طالما تغنّى بهما شعراء الصين منذ القدم. لكن بعد بضعة أشهر، أصبح الهواء الجافّ لاذع البرودة بسبب الصقيع، واضطرّت لتغطية وجهها حمايةً لنفسها، ولم يعد هناك ما يستحقّ النظر إليه على أيّ حال.
تسلّل الملل إلى الأميرة بسبب الرحلة التي لا تنتهي، إذ كانت الأيّام تختلط ببعضها، وكذلك الشهور، حتى فقدت كلّ إحساس بالزمن. غير أن الأجواء في القافلة سرعان ما بدأت تنبض بالحياة تدريجيا، فأدركت أنها تقترب أخيرا من وجهتها، إذ بدأ يلوح في الأفق مسار سرعان ما اتّسع ليصبح طريقا مطروقا بوضوح.
وفي اليوم التالي، لاحت أسوار مدينة أوردوباليك من بعيد على الضفّة اليسرى لنهر أوركون. كان النهر ينساب عبر السهل المنبسط على هيئة فروع عريضة وضحلة. ونظرا لأن الفصل كان شتاءً قارسا، فقد كانت المياه متجمّدة، ما جعل عبورها أمرا يسيرا. وكانت الأشجار، كشأن كلّ شيء آخر، قد اكتست بلون رمادي بفعل الصقيع.
وبدأت تظهر قرى صغيرة ومزارع متناثرة في الأرجاء، واصطفّ الناس على جانبي الطريق لرؤية القافلة وهي تمرّ. وانطلق بعض الفرسان في المقدّمة لإبلاغ الخاقان باقترابهم. ثم وصل وفد من العاصمة التي لم تعد تبعد عنهم سوى مرحلتين. وبعد نقاش دار بين الوفد وأفراد قبيلة الأويغور في القافلة، تبيّن أن الخاقان يريد أن يرى الأميرة قبل إتمام الزواج.
لكن هذا الطلب قوبل بالرفض، رغم اعتراضات حاشية الأويغور الذين أشاروا إلى أن أميرة صينية سابقة كانت قد وافقت على إجراء كهذا. وأكّد الوزراء المرافقون لـ تشاو لمبعوثي الخاقان أن ذلك يعدّ خرقا غير مقبول للأعراف المرعيّة، بغضّ النظر عما وافقت عليه الأميرة السابقة.
عندما ترجّلت تشاو أخيرا من هودجها لتلتقي بزوجها لأوّل مرّة، لم تكن ترتدي لباس العروس، فقد تلطّخ ثوبها الحرير بالغبار والملح ولفحت الشمس وجهها وخشّنت يديها وملامحها. لم تعد تلك الأميرة الرقيقة التي أرسلها البلاط للزواج، بل صارت امرأة قويّة واجهت الشدائد وقهرت الصحراء.
ثم رأت بوضوح خيمة الخاقان الشهيرة التي نُصبت فوق سطح قصره، وكانت مغطّاة بأكملها بالذهب. وكانت قد سمعت أن إمبراطور التبت يملك خيمة مماثلة، للتذكير بأصولهما البدوية. وقد اعتاد الخاقان عقد مجلسه داخل هذه الخيمة التي كانت تتّسع لمائة رجل. وكانت هناك خيام عديدة أخرى منصوبة داخل أسوار المدينة وخارجها.
أُدخلت تشاو إلى خيمة كبيرة غُطّيت جدرانها وأرضياتها بسجّاد الصوف السميك، وفوقه فُرش سجّاد حريري أكثر دقّة ونعومة. أما الوسائد الكبيرة المرتّبة على طول جدران الخيمة، فقد كانت مغطّاة بأجود أنواع الحرير المنسوج والديباج الصيني ذي الألوان الأحمر والأخضر والأزرق والذهبي، في حين صُنعت مساند الأذرع من خشب الصندل الأحمر المزيّن بالذهب وخشب الكافور والعاج الملوّن.
كما تناثرت حول المكان أكوام من الفراء بشتّى أنواعه: السمّور والأرنب المرقّط وجلد الغزال المصبوغ باللون الأرجواني. وقدِّم للأميرة النبيذ في كأس أرجوانية اللون زُيّنت بنقوش دقيقة من العناقيد والكروم. ورأت أمامها طاولات منخفضة تزخر بأصناف الفاكهة والمكسّرات من مشمش وعنب وشمّام وتفاح وجوز ولوز. وقُدّم لها شاي شَذيّ الرائحة في فنجان رقيق من الخزف الفاخر صُمّم بحوافّ مقوّسة تحاكي أواني الفضّة الفارسية.
وأوضح لها المترجم أن الخاقان يرغب في أن ترتدي الزيّ الأويغوري، وأنه سيرسل أميرات من لدنه لتعليمها تقاليد بلادهم، كما ستتولّى خادمة مساعدتها في ارتداء ملابسها وتصفيف شعرها. وأثناء ذلك، كان الوزراء الصينيون منشغلين باختيار يوم مناسب لإقامة المراسم.
ارتدت تشاو لباسا تحتيّا وسروالا فضفاضا مصنوعين من الحرير الرقيق. وفوقهما، ارتدت فستانا منسوجا بإتقان يشبه الكيمونو الياباني، رُبط برخاوة أسفل الخصر وقُصّت فتحة عنقه لتكشف عن جزء كبير من الصدر. ووضعت شالا حريريا طويلا وضيّقا على كتفيها وذراعيها. وسُرّح شعرها بعناية، وبرزت مقدّمة خفّيها المصنوعين من الحرير الأحمر، بحيث يمكن رؤية طرفيهما وهما يطلّان من تحت الرداء.
وفي اليوم المحدّد، كان على تشاو أوّلا أن تظهر خارج الخيمة مرتديةً ملابس أويغورية عادية، وأن تنحني أمام الخاقان الجالس في برج القصر. وبعد أن ارتدت أثوابها الملكية، خرجت من الخيمة مرّة أخرى وانحنت احتراما، ثم صعدت إلى محفّة محمولة طاف بها الوزراء التسعة الكبار تسع دورات حول الساحة.
وعقب ذلك، صعدت الأميرة إلى البرج وجلست بجوار الخاقان، وهي ترنو ببصرها جهة الشرق. كان رداء الخاقان الحريري طويلا أيضا، لكنه تميّز بياقة عالية ونقوش دائرية كبيرة. وكان هو نفسه رجلا ملتحيا مع شاربين كثيفين وشعر طويل.
وعلى رأسه استقرّ تاج مرتفع مدبّب مثبّت بشريط أحمر مربوط تحت ذقنه، بينما كانت أشرطة عريضة تلتفّ حول شعره وتتدلّى على ظهره. وكان لباسه مشقوقا من الجانبين ليكشف عن حذائه الجلدي العالي. كما كان يرتدي حزاما مزخرفا بإتقان من الذهب واليشم، يتدلّى منه خنجر مرصّع بالجواهر.
وكان الوزراء يرتدون ملابس مماثلة، وإن كانت أقلّ فخامة. وقد مَثُلوا أمام الخاقان واحدا تلو الآخر، وخاطبوه بلقب إله القمر والشمس، ثم مثلوا أمام تشاو واعترفوا بها بصفتها "الخاتون" أو الملكة الجديدة. وحضر أيضا رجال دين مانويون بأرديتهم البيضاء المميّزة وقبّعاتهم العالية.
وفي أمسيات كثيرة، كانت الأميرة تعزف على آلة الزيثار أو تحاول نظم شعر تتغنّى فيه بجمال الطبيعة أو تعبّر عن شعورها بالحنين إلى الوطن، وهما موضوعان طالما تغنّى بهما شعراء الصين منذ القدم. لكن بعد بضعة أشهر، أصبح الهواء الجافّ لاذع البرودة بسبب الصقيع، واضطرّت لتغطية وجهها حمايةً لنفسها، ولم يعد هناك ما يستحقّ النظر إليه على أيّ حال.
تسلّل الملل إلى الأميرة بسبب الرحلة التي لا تنتهي، إذ كانت الأيّام تختلط ببعضها، وكذلك الشهور، حتى فقدت كلّ إحساس بالزمن. غير أن الأجواء في القافلة سرعان ما بدأت تنبض بالحياة تدريجيا، فأدركت أنها تقترب أخيرا من وجهتها، إذ بدأ يلوح في الأفق مسار سرعان ما اتّسع ليصبح طريقا مطروقا بوضوح.
وفي اليوم التالي، لاحت أسوار مدينة أوردوباليك من بعيد على الضفّة اليسرى لنهر أوركون. كان النهر ينساب عبر السهل المنبسط على هيئة فروع عريضة وضحلة. ونظرا لأن الفصل كان شتاءً قارسا، فقد كانت المياه متجمّدة، ما جعل عبورها أمرا يسيرا. وكانت الأشجار، كشأن كلّ شيء آخر، قد اكتست بلون رمادي بفعل الصقيع.
وبدأت تظهر قرى صغيرة ومزارع متناثرة في الأرجاء، واصطفّ الناس على جانبي الطريق لرؤية القافلة وهي تمرّ. وانطلق بعض الفرسان في المقدّمة لإبلاغ الخاقان باقترابهم. ثم وصل وفد من العاصمة التي لم تعد تبعد عنهم سوى مرحلتين. وبعد نقاش دار بين الوفد وأفراد قبيلة الأويغور في القافلة، تبيّن أن الخاقان يريد أن يرى الأميرة قبل إتمام الزواج.
لكن هذا الطلب قوبل بالرفض، رغم اعتراضات حاشية الأويغور الذين أشاروا إلى أن أميرة صينية سابقة كانت قد وافقت على إجراء كهذا. وأكّد الوزراء المرافقون لـ تشاو لمبعوثي الخاقان أن ذلك يعدّ خرقا غير مقبول للأعراف المرعيّة، بغضّ النظر عما وافقت عليه الأميرة السابقة.
عندما ترجّلت تشاو أخيرا من هودجها لتلتقي بزوجها لأوّل مرّة، لم تكن ترتدي لباس العروس، فقد تلطّخ ثوبها الحرير بالغبار والملح ولفحت الشمس وجهها وخشّنت يديها وملامحها. لم تعد تلك الأميرة الرقيقة التي أرسلها البلاط للزواج، بل صارت امرأة قويّة واجهت الشدائد وقهرت الصحراء.
ثم رأت بوضوح خيمة الخاقان الشهيرة التي نُصبت فوق سطح قصره، وكانت مغطّاة بأكملها بالذهب. وكانت قد سمعت أن إمبراطور التبت يملك خيمة مماثلة، للتذكير بأصولهما البدوية. وقد اعتاد الخاقان عقد مجلسه داخل هذه الخيمة التي كانت تتّسع لمائة رجل. وكانت هناك خيام عديدة أخرى منصوبة داخل أسوار المدينة وخارجها.
أُدخلت تشاو إلى خيمة كبيرة غُطّيت جدرانها وأرضياتها بسجّاد الصوف السميك، وفوقه فُرش سجّاد حريري أكثر دقّة ونعومة. أما الوسائد الكبيرة المرتّبة على طول جدران الخيمة، فقد كانت مغطّاة بأجود أنواع الحرير المنسوج والديباج الصيني ذي الألوان الأحمر والأخضر والأزرق والذهبي، في حين صُنعت مساند الأذرع من خشب الصندل الأحمر المزيّن بالذهب وخشب الكافور والعاج الملوّن.
كما تناثرت حول المكان أكوام من الفراء بشتّى أنواعه: السمّور والأرنب المرقّط وجلد الغزال المصبوغ باللون الأرجواني. وقدِّم للأميرة النبيذ في كأس أرجوانية اللون زُيّنت بنقوش دقيقة من العناقيد والكروم. ورأت أمامها طاولات منخفضة تزخر بأصناف الفاكهة والمكسّرات من مشمش وعنب وشمّام وتفاح وجوز ولوز. وقُدّم لها شاي شَذيّ الرائحة في فنجان رقيق من الخزف الفاخر صُمّم بحوافّ مقوّسة تحاكي أواني الفضّة الفارسية.
وأوضح لها المترجم أن الخاقان يرغب في أن ترتدي الزيّ الأويغوري، وأنه سيرسل أميرات من لدنه لتعليمها تقاليد بلادهم، كما ستتولّى خادمة مساعدتها في ارتداء ملابسها وتصفيف شعرها. وأثناء ذلك، كان الوزراء الصينيون منشغلين باختيار يوم مناسب لإقامة المراسم.
ارتدت تشاو لباسا تحتيّا وسروالا فضفاضا مصنوعين من الحرير الرقيق. وفوقهما، ارتدت فستانا منسوجا بإتقان يشبه الكيمونو الياباني، رُبط برخاوة أسفل الخصر وقُصّت فتحة عنقه لتكشف عن جزء كبير من الصدر. ووضعت شالا حريريا طويلا وضيّقا على كتفيها وذراعيها. وسُرّح شعرها بعناية، وبرزت مقدّمة خفّيها المصنوعين من الحرير الأحمر، بحيث يمكن رؤية طرفيهما وهما يطلّان من تحت الرداء.
وفي اليوم المحدّد، كان على تشاو أوّلا أن تظهر خارج الخيمة مرتديةً ملابس أويغورية عادية، وأن تنحني أمام الخاقان الجالس في برج القصر. وبعد أن ارتدت أثوابها الملكية، خرجت من الخيمة مرّة أخرى وانحنت احتراما، ثم صعدت إلى محفّة محمولة طاف بها الوزراء التسعة الكبار تسع دورات حول الساحة.
وعقب ذلك، صعدت الأميرة إلى البرج وجلست بجوار الخاقان، وهي ترنو ببصرها جهة الشرق. كان رداء الخاقان الحريري طويلا أيضا، لكنه تميّز بياقة عالية ونقوش دائرية كبيرة. وكان هو نفسه رجلا ملتحيا مع شاربين كثيفين وشعر طويل.
وعلى رأسه استقرّ تاج مرتفع مدبّب مثبّت بشريط أحمر مربوط تحت ذقنه، بينما كانت أشرطة عريضة تلتفّ حول شعره وتتدلّى على ظهره. وكان لباسه مشقوقا من الجانبين ليكشف عن حذائه الجلدي العالي. كما كان يرتدي حزاما مزخرفا بإتقان من الذهب واليشم، يتدلّى منه خنجر مرصّع بالجواهر.
وكان الوزراء يرتدون ملابس مماثلة، وإن كانت أقلّ فخامة. وقد مَثُلوا أمام الخاقان واحدا تلو الآخر، وخاطبوه بلقب إله القمر والشمس، ثم مثلوا أمام تشاو واعترفوا بها بصفتها "الخاتون" أو الملكة الجديدة. وحضر أيضا رجال دين مانويون بأرديتهم البيضاء المميّزة وقبّعاتهم العالية.
❉ ❉ ❉
❉ ❉ ❉
لم تكن تشاو مجرّد رمز للتحالف بين الأويغور والصينيين، بل كانت، بصفتها "خاتون"، تتمتّع بنفوذ في البلاط الأويغوري. وقد سُمح لها بتأسيس مسكنها الخاص، وأبقت فيه مرافقيها الصينيين ما يقارب العام. وعندما حان موعد عودتهم إلى الصين في أواخر خريف عام ٨٢٢، انتابها حزن شديد. فأقامت مأدبة كبيرة وقدّمت لهم لفائف من الحرير وأنواعا شتّى من الحليّ، كان من ضمنها ربطة شعر مصنوعة من الذهب المطروق على شكل غزال السهوب.
في ذلك الصيف، استقبل الخاقان مبعوثا عربيّا أرسله قائد الجيش العربي في بلاد ما وراء النهر. كانت هناك سفارات عربية في تشانغان، لذا كانت تشاو على دراية ببعض شئون تلك الشعوب. وأرسل زوجها قوافل من الخيول لنقل المبعوث من أقصى جنوب غرب أراضي الأويغور.
وقد سافر العربيّ وصحبه لمدّة عشرين يوما عبر السهوب، وذكر أنه وجد عشبا وماءً، لكن دون أثر لطعام. وكان الرجال المسئولون عن الخيول يقيمون في خيام عند كلّ نقطة، لكن لم يكن لديهم مؤن إضافية. بعد ذلك ارتحلوا لعشرين يوما أخرى قبل أن يصلوا إلى أوردوباليك.
لا يُعرف شيء عن طبيعة العلاقة التي ربطت تشاو بزوجها الجديد. لم تكن الصين خلال عهد أسرة تانغ بلدا محافظا، إذ لم يبدأ تقييد القدمين بالظهور إلا في القرن التالي، وكان الطلاق بالتراضي لا يزال جزءا من القانون، وكان يُسمح للأرامل بالزواج مرّة أخرى. وربّما كانت نساء الأويغور أقلّ خضوعا للقيود من نظيراتهنّ الصينيات. فقد رافقت أميراتهم العديد من البعثات إلى الصين.
وفي ذلك الوقت، كانت تنتشر في الصين القصائد والمقالات والأعمال الأدبية ذات الطابع الإيروتيكي التي كتبها أدباء مرموقون، وكانت مسائل الزواج والإنجاب تُناقش بصراحة. كما كانت تسجَّل بدقّة تواريخ حيض جميع زوجات الإمبراطور الصيني ومحظياته، إلى جانب تاريخ وساعة كلّ لقاء حميم ناجح للإمبراطور.
وليس معلوما ما إذا كانت الأميرة تشاو قد خضعت لمتابعة مماثلة في البلاط الأويغوري، أو ما إذا كانت قد أنجبت أطفالا من الخاقان. فقد توفّي زوجها بعد عامين فقط من وصولها، وعُيّن خاقان جديد.
وقبل ذلك بخمسة وستّين عاما، كانت أوّل أميرة صينية تتزوّج خاقانا أويغوريا قد أُبلغت بضرورة أن تُقدِم على الانتحار بعد وفاته لتُدفن بجواره، لكنها رفضت ذلك واكتفت بتقديم تنازل تمثّل في جرح وجهها بسكّين، وهي علامة تقليدية للحزن والحداد عند الأويغور.
ومن جهتها، لم تقدِم تشاو على الانتحار، لكنها لم تغادر البلاد، رغم أنها كانت تملك الفرصة لفعل ذلك. ولعلّ مستشاريها الصينيين أقنعوها بالبقاء في أوردوباليك لأسباب سياسية، أو لتجنّب النفقات المترتّبة على إرسال أميرة جديدة، أو ربّما لأنها كانت قد تزوّجت الخاقان الجديد بحلول ذلك الوقت.
كانت البعثات تصل من الصين كلّ بضع سنوات، وكانت المدينة تضمّ عددا كبيرا من السكّان الصينيين. ودائما ما كانت هذه البعثات تحمل للأميرة الرسائل والأخبار والهدايا من بلدها الأم وتؤدّي لها فروض التقدير. وكانت هي بدورها ترسل هدايا فاخرة، كان من بينها سبع راميات سهام يتمتّعن بمهارة استثنائية في ركوب الخيل، وصبيّان من قبيلة تركية كانت تقطن الحدود الجنوبية لبلاد الأويغور.
وفي عام 832، تولّى خاقان آخر عرشَ الأويغور بعد اغتيال سلفه ومقتل العديد من وزرائه، وظلّت تشاو في مكانها. في ذلك الوقت، كانت أحوال الأويغور تشهد تدهورا خطيرا، إذ سادت الانقسامات البلاط وتكرّرت توغّلات جيوش القيرغيز القادمة من الشمال الغربي.
كان القيرغيز شعبا يقطن الغابات الواقعة شمال غرب إمبراطورية الأويغور، على مسافة أربعين يوما من عاصمتهم. وكان هؤلاء قد خاضوا صراعا مع الاويغور دام عشرين عاما. كانت لغتهم التركية، ووفقا للأوصاف الصينية والفارسية، كانوا طوال القامة فاتحي الشعر وذوي عيون خضراء أو زرقاء.
كان القيرغيز يحتقرون ذوي الشعر الداكن والعيون البنيّة. وكانوا يعتقدون أنهم من سلالة جنرال صيني منشقّ عاش في القرن الأوّل قبل الميلاد وانضمّ إلى البدو الرحّل. وكانت الكثير من عادات القيرغيز مختلفة عن عادات الأتراك، فلم يكونوا يخدشون وجوههم تعبيرا عن الحداد، وكان حاكمهم يلقّب بـ الآجي وليس الخاقان.
كان شتاء عام 839 قاسيا للغاية، إذ ضرب الصقيع الأرض مبكّرا وهطلت الثلوج بغزارة. وبحلول نهاية ذلك العام، كانت مخزون العلف قد نفد، ما أدّى إلى نفوق عشرات الآلاف من الماشية. ولم يعد الجيش المدافع عن العاصمة قادرا على صدّ زحف القيرغيز المستمر، فاستولوا على العاصمة في العام التالي، وقتلوا الخاقان الجديد وأضرموا النار في المدينة.
فرّ السكّان، بمن فيهم قاطنو المزارع المحيطة، نحو الجنوب، ووقعت الأميرة تشاو في الأسر. وسرعان ما عاد القيرغيز إلى قواعدهم في الغابات، ولكن نظرا لغياب أيّ مقاومة جدّية، ظلّوا مسيطرين على أراضي الأويغور حتى عام 824، حين زحف شعب الخيتان من الحدود الشمالية الشرقية للصين.
قام القيرغيز بتأمين حراسة مسلّحة لمرافقة تشاو في رحلة عودتها إلى وطنها، لكنهم تعرّضوا لهجوم من بقايا جيش الاويغور، واقتيدت الأميرة إلى معسكر الخاقان الجديد. ولم تصل البلاط الصيني أنباء عن مكان وجودها إلا في عام 842. وأثناء ذلك، بدأت أعداد غفيرة ممّن فروا طلبا للنجاة في الوصول إلى منعطف النهر الأصفر عند الحدود الصينية في خريف عام 840.
كانت تشاو لا تزال بعهدة الاويغور، وكان الصينيون حريصين على ضمان سلامتها. وفي ربيع عام 843، شنّت قوّة صينية هجوما مباغتا على معسكر الاويغور فقُتل الآلاف منهم في موقع أطلق عليه الصينيون فيما بعد اسم تلّ مذبحة الاويغور. كما هرب الخاقان أيضا، لكنه طورد وقُتل في صحراء غوبي. وعلى مدى الأجيال التالية، اندمج الاويغور الذين بقوا في شمال الصين في المجتمع الصيني.
في أواخر ربيع عام 843، أحيطت الأميرة بموكب رافقها جنوبا حتى وصلت إلى العاصمة الصينية، وعاد أفراد حاشيتها من الأويغور أدراجهم الى بوّابات المدينة. وقرّر الامبراطور قبول عودتها، فأرسل الحرس لمرافقتها إلى القصر انطلاقا من البوّابة الشمالية الشرقية للمدينة، وهو المكان نفسه الذي غادرته قبل أكثر من عقدين من الزمن.
في ذلك الصيف، استقبل الخاقان مبعوثا عربيّا أرسله قائد الجيش العربي في بلاد ما وراء النهر. كانت هناك سفارات عربية في تشانغان، لذا كانت تشاو على دراية ببعض شئون تلك الشعوب. وأرسل زوجها قوافل من الخيول لنقل المبعوث من أقصى جنوب غرب أراضي الأويغور.
وقد سافر العربيّ وصحبه لمدّة عشرين يوما عبر السهوب، وذكر أنه وجد عشبا وماءً، لكن دون أثر لطعام. وكان الرجال المسئولون عن الخيول يقيمون في خيام عند كلّ نقطة، لكن لم يكن لديهم مؤن إضافية. بعد ذلك ارتحلوا لعشرين يوما أخرى قبل أن يصلوا إلى أوردوباليك.
لا يُعرف شيء عن طبيعة العلاقة التي ربطت تشاو بزوجها الجديد. لم تكن الصين خلال عهد أسرة تانغ بلدا محافظا، إذ لم يبدأ تقييد القدمين بالظهور إلا في القرن التالي، وكان الطلاق بالتراضي لا يزال جزءا من القانون، وكان يُسمح للأرامل بالزواج مرّة أخرى. وربّما كانت نساء الأويغور أقلّ خضوعا للقيود من نظيراتهنّ الصينيات. فقد رافقت أميراتهم العديد من البعثات إلى الصين.
وفي ذلك الوقت، كانت تنتشر في الصين القصائد والمقالات والأعمال الأدبية ذات الطابع الإيروتيكي التي كتبها أدباء مرموقون، وكانت مسائل الزواج والإنجاب تُناقش بصراحة. كما كانت تسجَّل بدقّة تواريخ حيض جميع زوجات الإمبراطور الصيني ومحظياته، إلى جانب تاريخ وساعة كلّ لقاء حميم ناجح للإمبراطور.
وليس معلوما ما إذا كانت الأميرة تشاو قد خضعت لمتابعة مماثلة في البلاط الأويغوري، أو ما إذا كانت قد أنجبت أطفالا من الخاقان. فقد توفّي زوجها بعد عامين فقط من وصولها، وعُيّن خاقان جديد.
وقبل ذلك بخمسة وستّين عاما، كانت أوّل أميرة صينية تتزوّج خاقانا أويغوريا قد أُبلغت بضرورة أن تُقدِم على الانتحار بعد وفاته لتُدفن بجواره، لكنها رفضت ذلك واكتفت بتقديم تنازل تمثّل في جرح وجهها بسكّين، وهي علامة تقليدية للحزن والحداد عند الأويغور.
ومن جهتها، لم تقدِم تشاو على الانتحار، لكنها لم تغادر البلاد، رغم أنها كانت تملك الفرصة لفعل ذلك. ولعلّ مستشاريها الصينيين أقنعوها بالبقاء في أوردوباليك لأسباب سياسية، أو لتجنّب النفقات المترتّبة على إرسال أميرة جديدة، أو ربّما لأنها كانت قد تزوّجت الخاقان الجديد بحلول ذلك الوقت.
كانت البعثات تصل من الصين كلّ بضع سنوات، وكانت المدينة تضمّ عددا كبيرا من السكّان الصينيين. ودائما ما كانت هذه البعثات تحمل للأميرة الرسائل والأخبار والهدايا من بلدها الأم وتؤدّي لها فروض التقدير. وكانت هي بدورها ترسل هدايا فاخرة، كان من بينها سبع راميات سهام يتمتّعن بمهارة استثنائية في ركوب الخيل، وصبيّان من قبيلة تركية كانت تقطن الحدود الجنوبية لبلاد الأويغور.
وفي عام 832، تولّى خاقان آخر عرشَ الأويغور بعد اغتيال سلفه ومقتل العديد من وزرائه، وظلّت تشاو في مكانها. في ذلك الوقت، كانت أحوال الأويغور تشهد تدهورا خطيرا، إذ سادت الانقسامات البلاط وتكرّرت توغّلات جيوش القيرغيز القادمة من الشمال الغربي.
كان القيرغيز شعبا يقطن الغابات الواقعة شمال غرب إمبراطورية الأويغور، على مسافة أربعين يوما من عاصمتهم. وكان هؤلاء قد خاضوا صراعا مع الاويغور دام عشرين عاما. كانت لغتهم التركية، ووفقا للأوصاف الصينية والفارسية، كانوا طوال القامة فاتحي الشعر وذوي عيون خضراء أو زرقاء.
كان القيرغيز يحتقرون ذوي الشعر الداكن والعيون البنيّة. وكانوا يعتقدون أنهم من سلالة جنرال صيني منشقّ عاش في القرن الأوّل قبل الميلاد وانضمّ إلى البدو الرحّل. وكانت الكثير من عادات القيرغيز مختلفة عن عادات الأتراك، فلم يكونوا يخدشون وجوههم تعبيرا عن الحداد، وكان حاكمهم يلقّب بـ الآجي وليس الخاقان.
كان شتاء عام 839 قاسيا للغاية، إذ ضرب الصقيع الأرض مبكّرا وهطلت الثلوج بغزارة. وبحلول نهاية ذلك العام، كانت مخزون العلف قد نفد، ما أدّى إلى نفوق عشرات الآلاف من الماشية. ولم يعد الجيش المدافع عن العاصمة قادرا على صدّ زحف القيرغيز المستمر، فاستولوا على العاصمة في العام التالي، وقتلوا الخاقان الجديد وأضرموا النار في المدينة.
فرّ السكّان، بمن فيهم قاطنو المزارع المحيطة، نحو الجنوب، ووقعت الأميرة تشاو في الأسر. وسرعان ما عاد القيرغيز إلى قواعدهم في الغابات، ولكن نظرا لغياب أيّ مقاومة جدّية، ظلّوا مسيطرين على أراضي الأويغور حتى عام 824، حين زحف شعب الخيتان من الحدود الشمالية الشرقية للصين.
قام القيرغيز بتأمين حراسة مسلّحة لمرافقة تشاو في رحلة عودتها إلى وطنها، لكنهم تعرّضوا لهجوم من بقايا جيش الاويغور، واقتيدت الأميرة إلى معسكر الخاقان الجديد. ولم تصل البلاط الصيني أنباء عن مكان وجودها إلا في عام 842. وأثناء ذلك، بدأت أعداد غفيرة ممّن فروا طلبا للنجاة في الوصول إلى منعطف النهر الأصفر عند الحدود الصينية في خريف عام 840.
كانت تشاو لا تزال بعهدة الاويغور، وكان الصينيون حريصين على ضمان سلامتها. وفي ربيع عام 843، شنّت قوّة صينية هجوما مباغتا على معسكر الاويغور فقُتل الآلاف منهم في موقع أطلق عليه الصينيون فيما بعد اسم تلّ مذبحة الاويغور. كما هرب الخاقان أيضا، لكنه طورد وقُتل في صحراء غوبي. وعلى مدى الأجيال التالية، اندمج الاويغور الذين بقوا في شمال الصين في المجتمع الصيني.
في أواخر ربيع عام 843، أحيطت الأميرة بموكب رافقها جنوبا حتى وصلت إلى العاصمة الصينية، وعاد أفراد حاشيتها من الأويغور أدراجهم الى بوّابات المدينة. وقرّر الامبراطور قبول عودتها، فأرسل الحرس لمرافقتها إلى القصر انطلاقا من البوّابة الشمالية الشرقية للمدينة، وهو المكان نفسه الذي غادرته قبل أكثر من عقدين من الزمن.
Credits
archive.org
archive.org
