رواية عن بقايا ما كان


تستحقّ كتب وينفريد سيبالد الدراسة في سياق الجانب المظلم من السفر. لكنّ لكتابه "حلقات زُحل" صداه الخاص في هذا الموضوع. وباعتباره أشهر كِتاب رحلات بين أعماله، فإن "حلقات زُحل" يتيح فرصة لاستكشاف الروابط بين سياحة الموت وأدب الرحلات كنوع أدبي.
وجزء كبير من تميّز الكتاب يرجع الى أنه "تقرير سفر من نوع خاص"، إذ ينطلق المسافر أو الراوي، وهو نسخة شبه خيالية من سيبالد نفسه، في جولة سيرا على الأقدام في مقاطعة سوفولك الإنغليزية.
وبينما يتداخل السرد عبر مجموعة من التواريخ والذكريات والأحلام والأشكال النصّية والبصرية، فإنه يتضمّن أيضا جولة عالمية مع الموت والدمار والفظائع. والمسافر يحاول الكشف عن الجماجم ويفحص لوحات التشريح ويقضي وقتا في المقابر ويدمج صورا لمعسكرات الموت النازيّة، ثم يشكلّ كلّ ذلك في عمل رِثائي.
وفي تكريم حديث لـ سيبالد، سافر فنّان يُدعى جيريمي ميلار إلى الموقع نفسه على جانب الطريق، حيث توفّي سيبالد في حادث سيّارة في ديسمبر 2001، في مكان غير بعيد عن منزله الذي عاش فيه عشرين عاما تقريبا بالقرب من نورويتش بإنغلترا.
وبعد إطلاق الألعاب النارية على جانب هذا الطريق الفرعي، التقط ميلار سلسلة من الصور للأشباح الدخانية التي خلّفتها النار، "تخليدا لذكرى حياة سيبالد وعمله واحتفاءً بهما".
بحسب بعض الكتّاب، فإن أعمال سيبالد تستحضر عمق بروست التأمّلي وجدّية كونراد التاريخية، وأحيانا تلامس اليأس الروحي عند دوستويفسكي. وفي كتابه هذا، يستحضر الكاتب كلمات توماس براون التي يقول فيها: قد لا يرى المرء في تتبّع غروب الشمس على كوكبنا شيئا سوى جثث ملقاة صفّا تلو صفّ، كما لو أن الأرض سُوّيت بمنجل زُحل؛ مقبرة لا نهاية لها لبشر أصابهم مرض متساقط".
عنوان الكتاب مستمَدّ من حلقات كوكب زُحل، التي يقول العلماء انها مؤلّفة من الغبار والجليد وشظايا الأقمار المحطّمة. هي جميلة، لكنها في الوقت نفسه حُطام. وهذه الحلقات تدور حول كوكب سُمّي على اسم إله الزمن والفناء الذي التهمَ أبناءه عند ولادتهم، واحدا بعد الآخر، خوفا من تحقُّق نبوءة أشارت الى أن أحدهم سيطيح به.
قد يرى البعض في العنوان استعارة للفكرة المحورية للكتاب، وهي أن تاريخنا وامبراطورياتنا وأفكارنا تدور جميعها حول الخراب. فنحن محاطون ببقايا ما كان، أشياء وحيوات تدور بلا نهاية في مجال جاذبية الفقد. ومع ذلك، لا يستسلم سيبالد لليأس. ففي ثباته الهادئ أثناء سيره في رحلته، وفي فعل الملاحظة نفسه، يقدّم نوعا من الخلاص.
هل يُعدّ سيبالد، إذن، السائح المظلم الأمثل؟ أم أنه أراد لكتابه أن يكون نزعة تأمّلية عن الموت؟ هناك عدّة مواضع في الكتاب تشير إلى أن القصّة هي عن مسافر غامر بنفسه في "البلاد المجهولة التي لا يعود منها أحد". وطوال الكتاب، هناك تلميحات إلى أن المسافر هو نوع من الأشباح.
وعندما يزور الراوي شاعراً، يسجّل أن "فكرة غريبة تماما خطرت ببالي أن هذه الأشياء، الحطب وأكياس الطعام الصغيرة ومربّى الفاكهة والأصداف البحرية وأصوات البحر التي بداخلها، قد عاشت بعدي، وأن الشاعر كان يأخذني في جولة حول منزل كنت قد عشت فيه منذ زمن بعيد".

❉ ❉ ❉

❉ ❉ ❉

وينقل الراوي أيضا عن توماس براون أنه في هولندا، في عصره، كان من المعتاد، في منزل حدثت فيه وفاة، تغطية جميع المرايا، وجميع اللوحات التي تصوّر مناظر طبيعية أو أشخاصا، بشرائط حِداد سوداء حتى لا تتشتّت الروح وهي تغادر الجسد في رحلتها الأخيرة، سواءً بانعكاس نفسها أو بنظرة أخيرة على الأرض التي ضاعت منها الآن وإلى الأبد.
وتتاح للقارئ فرصة متكرّرة لرؤية الراوي من خلال عيون من يقابلهم. فعندما ينطلق سيبالد بحثا عن جمجمة الكاتب براون، الذي عاش في القرن السابع عشر، في مستشفى نورفولك ونورويتش، لا يقتصر الأمر على نظرات الاستغراب والدهشة من قبل الموظفين الإداريين، بل إنه شعر بأن بعض من سألهم رأوا فيه شخصا غريب الأطوار.
ويتابع سيبالد: من المثير للدهشة أن براون نفسه، في أطروحته الشهيرة ذات الطابع الميتافيزيقي، يقدّم التعليق الأنسب على رحلة جمجمته اللاحقة عندما كتب أن نبش قبورنا أمر شنيع ومأساوي. ثم يضيف: من ذا الذي يعلم عن مصير عظامه أو عدد مرّات دفنه"؟
ويقول المؤلّف أنه "بينما نشأتُ في بيئة كانت مثالية إلى حدّ ما، فقد وقعت في الوقت نفسه أفظع الأحداث في أجزاء أخرى من أوروبّا". ويتابع: بينما كنت أجلس في عربة أطفال تدفعها أمّي عبر مروج مُزهرة، كان يهود كورفو يرحَّلون في هجرة شاقّة دامت أربعة أسابيع إلى بولندا. أن تتزامن طفولة سعيدة مع هذه الأحداث المروّعة لهو أمر يبدو لي الآن غير مفهوم. لكنّي أعلم أن هذه الأمور تُلقي بظلالها الثقيلة على حياتي".
أحد النقّاد ذكر أن صوت سيبالد، الهادئ لدرجة أنه بالكاد يُسمع، يتمتّع بقوّة غريبة تجذب القارئ إلى رحلة بطيئة من الأفكار والصور والإشارات. وقراءة كتاباته أشبه بمشاهدة شريط فيلم متحلّل، حيث تتداخل أجزاؤه وتتشوّه إلى أن يظهر تماسك جديد غامض. ومثل موريسون، يدرك سيبالد أن التدهور ليس عدوّ المعنى، بل هو المكان الذي يختبئ فيه المعنى".
في "حلقات زحل" أيضا، لا توجد حبكة محكَمة ولا خاتمة واضحة. هناك فقط رجل يمشي ويتذكّر ويفكّر ويحلم. ومع ذلك، تثير الرواية الحماس الشديد. ولأنها تقاوم التصنيف، فإنها تُفسح المجال للهوس ولأفعال من التفاني الخيالي تتجاوز حدود الصفحات المطبوعة.
بعض القرّاء حوّلوا رحلة سيبالد إلى نوع من الحجّ وتتبّعوا مساره فعليّا، ليصادفوا الجسور المنهارة والمنازل المغلقة والحقول الشاسعة الهادئة التي تملأ صفحات كتابه. وهؤلاء القرّاء لا يكتفون بتحليل الكتاب، بل يعيشونه. هنا يتلاشى الحدّ الفاصل بين النصّ والعالَم. إنه ليس كتابا تُنهيه، بل هو كتاب تسكنه."
والكتاب يُظهر أن الموت جزء لا يتجزّأ من رحلاتنا جميعا، وأن الموتى ليسوا فئة منفصلة عن الأحياء، وأن فناءنا لا يمكن فصله عن الحياة. كما يمكن اعتبار الكتاب مثالا نموذجيّا ومختلفا في الوقت نفسه عن نموذج السياحة المظلمة، إذ يُسهم في "إحياء الموت في المجال العام، وبالتالي إزالة عزلته وضمان حضوره، وتحويل الموت "الخاص" إلى خطاب عام وسلعة جماعية للتأمّل فيها".
في النهاية، لا تدور أحداث رواية "حلقات زُحل" حول ما يحدث، بل حول ما يبقى: خيط من الأفكار، ظلّ على الشاطئ، شرنقة حريرية في خزانة، رجل يمشي وحيدا.

Credits
archive.org
online-literature.com

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أبو بكر سالم: صورة الفنّان

الأزرق: تاريخ لون

لقاء بين امرأة وطائر 1 من 2