نصوص مترجمة
من يقرأ "حاجّي مراد" متوقّعا رواية حرب غريبة أو قصّة حبّ مثيرة سيُصاب بخيبة أمل شديدة. تدور القصّة حول انشقاق حاجّي مراد، أشهر مساعدي الشيخ شامل، قائد المقاومة القوقازية. يغيّر حاجّي ولاءه خوفا على حياته ولأن قوّات شامل اختطفت عائلته. ولأنه يطمح في أن يحرّر عائلته بمساعدة الروس، يُبرم حاجّي تحالفا مع الأمير فورونتسوف، المعجب ببسالته وسلوكه النبيل. لكن غالبية الروس لا يثقون بالأخير، فقد صنع شهرته بقتله ضبّاطا روساً.
ومع ذلك، لا يوجد أيّ تشويق حقيقي في الرواية، حيث تبدأ القصّة بتأمّل الراوي في موت حاجّي، ويخيّم شعور قاتم بالحتمية عند كلّ منعطف في السرد. من منظور التاريخ، كان تولستوي يعرف ما سيحدث للقوقاز، فإن لم يَغزُه الروس عسكريّا، فسيعمدون الى استيعابه في إمبراطوريتهم.
وبصفته جنديّا سابقا في القوقاز، استطاع تولستوي أن يروي بنفسه بعض أفعال الرعب التي رآها أو سمع عنها. فخلال الحرب، كان الجنود الروس يحرقون القرى بشكل روتيني ويقتلون النساء والأطفال ثم تُبتر أحشاؤهم وتقطع رؤوسهم.
والكتاب لا يستقرّ على بطل حقيقي أو مجموعة من الشخصيات، بل يسافر بحماس عبر عيون وتجارب كلّ من شارك في ذلك الصراع، كبيرا كان أم صغيرا. في أحد الفصول، ننظر من خلال عيون القيصر نيكولا الأوّل نفسه. وفي فصل آخر، نواجه شامل، وهو شخص أقلّ إثارة للرعب ممّا قد يصوّره التاريخ.
ويتأمّل الراوي، الذي قد يكون تولستوي نفسه، حقلا جُرفَ مؤخّرا. لقد دُمّر كلّ شيء بطريقة منظّمة. ومع ذلك، بقيت شجيرة صغيرة نبتت من الأرض بتحدٍّ رغم هزيمة كلّ رفاقها. انكسر أحد الغصنين وبرزت بقايا الساق كذراع مقطوعة. وكانت هناك زهرة على كلّ من الغصنين الآخرين. كانت الأزهار من قبل حمراء، لكنها الآن سوداء.
كان من الواضح أن الشجيرة بأكملها قد دهستها عجلة عربة، ثم نهضت من جديد. ولهذا السبب وقفت بشكل ملتوٍ، لكنها ما زالت واقفة. كان الأمر كما لو أن جزءا من جسدها قد انتُزع، وأحشاؤها مقلوبة وذراعها مقطوعة وعينها مقلوعة. لكنها ما تزال واقفة ترفض الاستسلام للإنسان الذي أهلك جميع أخواتها من حولها.
هذا الشوك المتمرّد يذكّر تولستوي بالحاج مراد، الرجل الذي تحدّى شامل والجيش الروسي، وصمد بثبات. لكن من خلال القصّة والاستعارة، يبدو أن أسلوب حياة بأكمله قد ووريَ في مثواه الأخير. الجنود الروس الذين يضحّون بأنفسهم في هذه الحرب هم أنفسهم أشواك تُحصد بفعل لامبالاة القيصر، بينما يخرّبون بدورهم حقول القوقازيين وأرواحهم.
في القصّة يحلّ القيصر نيقولا الأوّل محلّ نابليون في "الحرب والسلام"، الذي يخرج من غياهب التاريخ كطاغية مغترّ بنفسه. ويخصّص تولستوي فصلا كاملا لوجهة نظره، لنتمكّن من إدراك ضيق رؤيته، أي القيصر، والانهيار الحتمي لروسيا تحت قيادته.
ليس مستغربا أن يكون تولستوي متعاطفا كثيرا مع حاجّي الذي يبرز هو الآخر كشخص متناقض بطريقة مثيرة. فهو قاتل لا يرحم وأب عطوف، رجل يغضّ الطرف بخجل عندما تدخل النساء الغرفة، لكنه يتقبّل بهدوء وعلى مضض المصير الذي سيحلّ بزوجته وأمّه إذا لم يحرّرهما من أسر شامل "في ما بعد تتعرّضان للاغتصاب الجماعي".
وبينما يعتبره تولستوي أثرا بطوليّا لعصره، فإن حاجّي يتمتّع أيضا بالحكمة الكافية لفهم اللحظة الراهنة. فهو يعلم مثلا أن شعبه سيضطرّ للاستسلام، وأن من يرفض سيكون كالصقر في الحكاية الشعبية القديمة.
إذ يقال إن رجلا أمسك بصقر وحبسه عنده لسنوات. وبعد زمن، عاد الطائر إلى موطنه في الجبال. وعند عودته، كانت ساقاه موضوعتين في الجبس والجرس مربوطا برقبته. وقد ازدرته الصقور عندما رأته وقالت: عد إلى المكان الذي وضعوا عليك فيه جرسا وقيدا، فليس لدينا أجراس ولا قيود". لكن الصقر لم يرغب في مغادرة موطنه، فبقي. غير أن الصقور الأخرى رفضته ومزّقته حتى الموت. "وأنا سيمزّقونني حتى الموت"، هكذا فكّر حاجّي مراد.
وهذا كان شأن جميع أهالي القوقاز، مع أنهم كانوا يتمنّون العودة إلى الجبال. فبعد أن تقبّلوا الأسلحة والتكنولوجيا الروسية وتعلّموا كلام وعادات الروس، كيف لهم أن يعودوا إلى ديارهم؟! صحيح أن الأجراس التي تطوّق الرقاب لا تُخلع بسهولة، لكن الجبال لن تستسلم بسهولة للهيمنة الروسية، وهو ما أثبتته الحرب فيما بعد.
طلب حاجّي من الروس مساعدته في تحرير عائلته من معسكر شامل، لكن مثل هذا الأمر يجب أن يحظى بموافقة عليا، غير أنه لم يتلقَّ أيّ ردّ.
وبسبب ضيق الوقت، اضطرّ حاجّي إلى الفرار ليلا مع رجاله لشنّ هجوم انتحاري على معسكر شامل. لكن الحرّاس الروس وقفوا في طريقهم. وسرعان ما اكتشف حاجّي أن في أعقابه فرقة كاملة من الروس مع بعض حلفائهم المحليّين الذين كانوا مستائين منه ويطلبون رأسه. ولم يلبث أن قُتل بالرصاص بعد مواجهة قصيرة، وحصل كلّ جندي على فرصة لإغماد حربة في جثّته، كما فعل اليونانيون ذات مرّة مع هيكتور.
وبحلول أواخر خمسينات القرن التاسع عشر، وبعد عقود من الحصار وحملات الأرض المحروقة التي شنّها الجيش الروسي، والإنهاك الهائل الذي لحق بالمدنيين، بدأت إمامة شامل نفسه تضعف. وبعد أن حاصره 200 ألف جندي روسي من جميع الجهات في معقله الجبلي الأخير، اختار شامل الاستسلام في أغسطس 1859 لمنع تعرّض من تبقّى من شعبه في داغستان والشيشان لمذبحة كاملة. وبدلاً من إعدامه، حكم عليه الروس بالمنفى تحت التاج الروسي.
قصّة تولستوي تنتهي بالخاتمة الحزينة لحاجّي مراد، ويعلّق الراوي بقوله: كان هذا هو الموت الذي ذكّرني به الشوك المسحوق في الحقل المحروث". هذه هي الكلمات الأخيرة في القصّة، ومعها ينفض تولستوي يديه من القصّة بضربة واحدة وسريعة. إنها خاتمة مفاجئة ومفجعة، لأن تولستوي يرفض تمجيد الماضي أو حتى بطل قصّته. ومثل الشوك، يغرق البطل في الوحل وتُنسى قصّته.
لكن القصّة لم تُنسَ تماما، لأنه لا يمكن نسيان الصور المأساوية لرجال ونساء عالقين في دوّامة التاريخ بسبب أفعال أشخاص مثل نيكولا وشامل. ج. غراسو
❉ ❉ ❉
❉ ❉ ❉
توجد فكرتان سائدتان: إحداهما، وهي الأقدم، تصوّرهم كهمج أو كآكلين للحوم البشر أو كوثنيين متعصّبين ومتعطّشين للدماء يذبحون المئات في مراسم طقوسية. أما الفكرة الأخرى فتصوّرهم كشعوب تعيش في ما يشبه اليوتوبيا، حيث يتّسمون بحكمة تفوق بقية العالم ويقعون ضحايا لهمج أوروبيين. وكلا التصوّرين غير دقيق، ولا يخدمان سوى تعزيز هوس الرجل الأبيض بذاته.
وقد ورد كلا التصوّرين في كتابات الغزاة الأوروبيين. مثلا، كتب "بيرو فاز دي كامينيا" رسالة بعثها إلى الملك مانويل الأوّل ملك البرتغال حوالي عام 1500، يصف فيها السكّان الأصليين في البرازيل بقوله:
بشرتهم سمراء تميل إلى الحمرة، ووجوههم وأنوفهم حسنة الملامح ومتناسقة. وهم يسيرون عراة تماما، دون أيّ نوع من الغطاء، فهم لا يكترثون بتغطية أجسادهم، ويكشفون عن أعضائهم الخاصّة بكلّ بساطة، تماما كما يكشفون عن وجوههم. ومن هذه الناحية، هم يتمتّعون ببراءة عظيمة. لا يقتاتون سوى على نوع من الدرنات، بالإضافة إلى البذور والثمار التي تجود بها الأرض والأشجار تلقائيا. ومع ذلك، فهم أكثر قوّة ورشاقة منا، رغم كلّ ما نتناوله نحن من القمح والبقوليات".
وهناك قصص أخرى تتضافر لتشكيل نموذج "المتوحش النبيل"، وهو نمط لا يزال حاضرا بأشكال متنوعة. إذ يصوّر السكّان الأصليون ككائنات بدائية أشبه بالحيوانات، وفي الوقت ذاته كأفراد يتمتّعون بحكمة وروحانية عميقتين. وهذا الطرح ليس سوى نظرة استعلائية تهدف إلى ربط تاريخ السكّان الأصليين بأوروبّا، وإن كان ذلك في قالب يبدو إيجابيا ظاهريا.
وفي المقابل، ظهرت أفكار نقيضة تصفهم بالوحشية والهمجية. وهي أيضا أفكار روّج لها الأوروبيون لتبرير عمليات الغزو الوحشية واسعة النطاق أمام الرأي العام الأوروبي.
وقد ظلّ كلا التصوّرين حاضرين منذ اللقاء الأوّل بين الطرفين، وكلاهما غير دقيق ولا يخدمان سوى اختزال السكّان الأصليين إما في صورة أطفال أبرياء أو همج بدائيين. ن. ميبل
Credits
archive.org
archive.org
