المشاركات

محطّات

صورة
هناك نوع من اللوحات الفنّية التي تصوّر مشاهد هادئة تثير شعوراً بالسلام والاستبطان والاتصال الروحي. وتُظهر هذه اللوحات التي تنتمي الى فترات ومدارس فنّية مختلفة الطرق المتنوّعة التي اكتشف بها الفنّانون موضوع التأمّل، ومن خلالها يدعون المتلقّي الى التفكّر في أسرار الوجود والتواصل مع الذات ومع العالم من حولهم. ومن أشهر تلك اللوحات "الراهب" لأوديلون ريدون. ابتكر ريدون، وهو فنّان رمزي فرنسي، العديد من الأعمال التي تستكشف موضوعات الروحانية والتأمّل الداخلي. وتصوّر لوحته هذه راهبا يجلس في حالة تأمّل وهو محاط بصور أثيرية تشبه الحلم. هناك أيضا لوحة "رقم 5" لجاكسون بولوك. هذه اللوحة التعبيرية التجريدية لبولوك قد لا تصوّر التأمّل تماما، لكن توليفها النشط والتلقائي يمكن أن يثير تجربة تأمّلية. طبقات الطلاء المعقّدة والأنماط الديناميكية تدعو المتلقّي إلى الانغماس في حالة من التأمّل. هناك أيضا لوحة "5 دوائر" لكازواكي تاناهاشي. وتاناهاشي فنّان ياباني معاصر ومعروف بأسلوبه المميّز ولوحاته المستوحاة من فلسفة الزِن. سلسلة لوحاته الدائرية ترمز إلى التنوير والوحدة والطب...

محطّات

صورة
ولد الفنّان انسيلم كيفر، الذي يعني اسمه بالألمانية "شجرة الصنوبر"، خلال الأشهر الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، وبدأ مسيرته المهنية في السبعينيات كواحد من "الأولاد الأشقياء" في فنّ ما بعد الحداثة. وقد رأى بعض النقّاد في أعماله المبكّرة حنينا شرّيرا لهتلر أو محاكاة ساخرة لهذا الحنين. وعندما أصبح كيفر مشهورا عالميّا بعد بضع سنوات، أي في الثمانينات، كان ذلك بسبب لوحاته كبيرة الحجم التي تصوّر مناظر الطبيعة التي دمّرتها الحرب. كيفر ينتمي إلى جيل من الفنّانين الألمان من فترة ما بعد الحرب، والذين كان التاريخ الحديث بالنسبة لهم بمثابة كابوس يحاولون الهروب منه. وقد أشار أحد النقّاد ذات مرّة الى أن عمل كيفر يطرح باستمرار السؤال التالي: كيف تصبح فنّانا ألمانيّا بعد هتلر "الفنّان الألمانيّ المطلق والنهائي"؟! ومن خلال النفط والرماد والخشب والصلب والرصاص والخرسانة، وكذلك النسيج والبذور والموادّ النباتية والورق ممّا يستخدمه في أعماله، كان كيفر يتصارع، بطريقة أو بأخرى، مع هذا السؤال منذ ذلك الحين. انسيلم كيفر ليس مجرّد فنّان، بل له اهتماماته الفكرية والف...

محطّات

صورة
استمتاع الانسان برؤية الآثار يوحي بأن الخراب صفة معرفية مشتركة بين البشر جميعا. والجنس البشري، بحسب روز ماكولي مؤلّفة كتاب "متعة الآثار"، كان دائما ذا عقلية تمجّد الخراب. وفي جميع العصور وجد الأدب جمالا في القوى المظلمة والعنيفة التي يُعدّ الخراب أحد رموزها. وفي أحلام الإنسان الغربيّ المحبّة للخراب، فإن اليونان وإيطاليا هما اللتان مجّدتا دائما تلك الأحلام الحزينة التي تنظر إلى الوراء، ربّما لأن حضارة الغرب نشأت ونمت هناك حيث مجدُ العالم. هناك وُجد سقراط وأفلاطون وطروادة وأثينا والجزر واليونان العظيمة. كلّنا نحبّ الآثار، تقول ماكولي، رغم أننا لا نعرف السبب بالتحديد، لكن ربّما لأننا نحبّ أن نتخيّل كفاح الناس الذين ماتوا منذ زمن طويل والذين قاتلوا مثلنا أيضا وفازوا وخسروا وأحبّوا وكرهوا وكانوا يتوقون إلى السلام أو المعنى، تماما كما نفعل نحن. اللامعنى هو الخوف الأكبر بالنسبة لمن يحبّون الآثار. فنحن لا نخشى الموت، فهو سيأتي إلينا جميعاً. ولا نخشى القتال، بل في الواقع نتصالح معه إن فُرض علينا. ما نخشاه حقّا هو أنه لن يتمكّن أحد من السير على أنقاض حياتنا التي قضيناها هنا...

محطّات

صورة
في عام 1915 كتب سيغموند فرويد مقالة يتذكّر فيها حديثا دار بينه وبين الشاعر الألماني ريلكه أثناء سيرهما في حديقة. وفي لحظة ما بدا ريلكه في غاية الضيق والحزن. فقال له فرويد: ما المشكلة؟ إنه يوم جميل، وهناك نباتات وأزهار رائعة كثيرة حولنا". فقال ريلكه: إنني لا أستطيع التغلّب على حقيقة أنه في يوم من الأيّام سوف يموت كلّ هذا، كلّ هذه الأشجار والنباتات وكلّ هذه الحياة سوف تتحلّل وتزول". كان ريلكه يقصد أن زوال الأشياء وعدم ديمومتها هو مشكلة وجودية وأمر حقيقيّ في هذا العالم. وربّما لهذا السبب عندما نكون في حالة حبّ او ابتهاج، فإننا نشعر بحزن غامض نوعا ما. كما أن الأشياء الجميلة يمكن أن تجعلنا حزينين قليلاً في بعض الأحيان، وذلك لأن تلك الأشياء المبهجة تخفي رؤية شيء أكبر، باب مخفيّ مثلا او حفرة نحاذر الوقوع فيها، على الرغم من أن هذا شعور مؤقّت غالباً. وهذا هو السبب أيضا في أننا نشعر أحيانا بالحنين إلى شيء لم نفقده بعد، لكنّنا نرى أنه في النهاية زائل لا محالة. ما العمل إذن وكيف نستجيب لهذا الشعور؟ هل بعدم الارتباط بالأشياء والمشاعر كما تقول بعض الديانات الشرقية؟ أم بالتظاهر ب...

خواطر في الأدب والفن

صورة
"القرمزيّ" كلمة شديدة الخشونة ومزخرفة كثيرا. إذا استخدمها كاتب ما فهذا يعني أنه يميل الى استخدام صيغ التفضيل. لكنّ العديد من الكتّاب يستخدمونها ثم لا يلبثون أن يضغطوا بتكاسل على زرّ الحذف ويلغونها. كلمة "قرمزيّ" المستخدمة اليوم لا بدّ أن تثير الشكوك: لماذا اختار هذا الكاتب أو ذاك هذه الكلمة غير الجديرة بالثقة؟ وما الذي يختبئ خلف المخمل الرثّ والمكسّر لتلك الستارة القرمزية؟ "القرمزي" واحدة من أقلّ الكلمات المفضّلة لدى الكثيرين. منها تفوح رائحة أسوأ عادات الكتّاب. وهي كلمة صُنعت بدقّة لتتولّى كافّة الأعباء الثقيلة بالنيابة عنك. وبالنسبة للأذن الحديثة، لا يزال صوتها فخماً، لكن معناها فاحش. وفي الوقت الحاضر لا تجد الكثير من الكلمات المجوّفة إلى هذا الحدّ. ورغم هذا ما تزال قيد الاستخدام بشكل نشط. ودلالاتها السابقة، أي الفخامة والرفاهية والتمجيد، أصبحت الآن مغلّفة بالسخرية. في عصر الأصباغ الاصطناعية الرخيصة، ننسى أن مصطلحات اللون متجذّرة في المواد الترابية باهظة الثمن. كلمة "قرمزي" مشتقّة من القرمزcrimson، وهو مصطلح يشمل عدّة أنواع من ا...

خواطر في الأدب والفن

صورة
يُعد الفنّ مصدرا غنيّا لإلهام العديد من كتّاب الروايات، إذ يسمح لهم بنسج الفنون البصرية في رواياتهم واستكشاف التأثير العميق للفنّ على التجارب الإنسانية. كما أن هذه الروايات تسمح للقرّاء بالانغماس في عالم الفنّ وكشف ألغازه واستكشاف التأثير العميق للفنون البصرية على حياة الشخصيات. بعض هذه الروايات تتمحور أحداثها حول لوحات معيّنة أو تشير إليها، غالبا كوسيلة لتعزيز السرد أو لاستثارة مشاعر القارئ أو تقديم رؤى أعمق عن الشخصيات أو المواضيع. من هذه الروايات "صورة دوريان غرايThe Picture of Dorian Gray " لأوسكار وايلد، وفيها يصف المؤلّف لوحة تمثّل عنصرا مركزيّا في القصّة. اللوحة رسمها شخص يُدعى هالوارد، وتجسّد جمال بطل الرواية الشابّ دوريان غراي. وبينما تتكشّف فصول القصّة، تمرّ اللوحة بتحوّل خارق للطبيعة يعكس الانحلال الأخلاقي والفساد في روح بطلها. وفي رواية "شفرة دافنشي The Da Vinci Code" يتناول الكاتب دان براون العديد من الأعمال الفنّية، بما في ذلك "الموناليزا" و"العشاء الأخير" لليوناردو دا فينشي. ويشار إلى اللوحات كدليل في البحث عن الأسرار ...

خواطر في الأدب والفن

صورة
يحتلّ الماء مكانة مهمّة في الفلسفة الطاوية. فهو ليس مجرّد ماء، بل صوت الحياة، وصوت الوجود وصوت السيرورة الأبدية. وهناك دروس هامّة وإرشادات يتعيّن على الإنسان أن يتعلّمها من الماء بحسب الطاو. وعندما نتّبع هذه الإرشادات فإننا نتعلّم التواضع وعمق الشخصية واللطف غير المشروط والنزاهة وحسن التدبير والمرونة المتعدّدة والتوقيت المناسب. الماء، بتموضعه في المكان الصحيح، يتدفّق بشكل طبيعي إلى أدنى نقطة في المنطقة المجاورة له مباشرة. ويمكن أن يكون هذا استعارة عن الشخص المتواضع، لأن المغرور هو عكسه تماما في بحثه دائما عن أعلى نقطة مرئيّة. وبالتالي يمكننا القول أن الماء يجسّد التواضع. وهو تواضع طبيعي لا يحتاج أبدا إلى تزييف أو تصنّع، وهذا هو بالضبط ما نحتاج إلى تنميته في أنفسنا بعمق كبير. والأشخاص الفضلاء حقّا يشبهون برَك المياه العميقة، فأنت لا تعرف كلّ شيء عنهم من الوهلة الأولى، فهم يمتلكون عمقا في الشخصية لدرجة أن الأمر قد يستغرق بعض الوقت حتى نعرفهم حقّا، فهم مثل الكنوز الغارقة في أعماق المحيط. قد لا تدرك ذلك في البداية، ولكن إذا تأمّلت صداقتك معهم، فسوف تكتشف الكنوز بنفسك، وقد تدر...